بن قلاوون عارفا قدر الشيخ، محبا له، إلا أنه في تلك الفترة كان قد عزل نفسه، وتولى السلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، وكان تلميذا لنصر المنبجي الصوفي الذي يصدر عن شرب ابن عربي في آرائه وأقواله، فأصبح شيخ الإسلام عدوا سياسيا على نحو ما، إذ ينظر إليه على أنه من أنصار الناصر بن قلاوون، ويقول في أمور الاعتقاد بغير ما يقول به السلطان بيبرس وشيخ المنبجي الصوفي.
وتقرر نفي الشيخ إلى الإسكندرية في الليلة الأخيرة من شهر صفر سنة 709هـ، ومكث بها نحو ثمانية أشهر"مقيدا ببرج مليح نظيف له شباكان أحدهما إلى جهة البحر، يدخل إليه من شاء، ويتردد عليه الأكابر والفقهاء والأعيان يبحثون معه ويتعلمون منه."
قال الألوسي ـ رحمه الله ـ: ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب يلتهون بها غما هم فيه كالشطرنج والنرد، مع تضييع الصلوات، فانكر الشيخ ذلك عليهم وأمرهم بلازمة الصلاة والتوجه إلى الله ـ تعالى ت بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء، وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه، ورغبهم في أعمال الخير وحضهم على ذلك، حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرا من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه حتى كان السجن يمتليء منهم.
وظل الشيخ بالإسكندرية حتى عاد السلطان الناصر إلى عرش مصر في يوم عيد الفطر سنة 709هـ فأمر بإطلاق سراح الشيخ وحمله إلى القاهرة مكرما ما فخرج الشيخ منها متوجها إلى القاهرة، ومعه خلق من أهلها يودعونه ويسألون الله ان يرده إليهم ن وكان وقتا مشهودا، ووصل إلى القاهرة في الثامن عشر من شوال، واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة الرابع والعشرين منه.
واستمر الشيخ بالقاهرة ينشر العلم، ويخارب البدع، حتى توجه الجيش المصري قاصدا عزو التتار، فلما وصل معهم إى عسقلان توجه إلى بيت المقدس، ومنه إلى دمشق، وجعل طريقه على ..."عجلون"ووصل دمشق أولى يوم من ذي القعدة سنة 712هـ وكان مجموع غيبته عن دمشق سبع سنين وسبع جمع.
عاد الشيخ إلى الشام فعاد إلى نشر العلم، وتصنيف الكتب، والإفتاء كلاما وكتابه يدور مع الكتاب والسنة حيث دارا.
وأفتى الشيخ ـ رحمه الله ـ في مسائل كثيرة من مسائل الفقه على حسب ما أدى إليه اجتهاده، فكان أن أفنى في الحلف بالطلاق بعدم الإلزام، وأنه لا يقع به طلاق، وفرق بين الطلاق المعلق وبينه، وخالف بذلك ما عليه الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب، واستنكر الفقهاء من أتباع المذاهب فتوى الشيخ، وجاهروا باستنكارهم، وكان ذلك في سنة 718 هـ، واشار قاضي قضاة الشام على الشيخ