فكان ذلك سبب مقاطعته إياه وذكره في تفسيره البحر بكل سوء، وكذلك في مختصره النهر، ومن ذلك ما حدث له بسبب الطائفة الأحمدية الرفاعية سنة 705هـ، وكانوا يلبسون أطواق الحديد في أعناقهم ويدهنون بدهن خاص، ثم يدخلون النار لا يحترقون، يمخرقون بذلك على العامة من أهل الإسلام، فاشتد نكير الشيخ عليهم حتى شكوه إلى نائب السلطنة، يطلبون أن يكف الشيخ عنهم وأن يتركهم وحالهم فقال الشيخ: هذا لا يمكن ولابد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب السنة قولا وفعلا، ومن خرج عنهما وجب الإنكار عليه، ومن أراد منهم أن يدخل النار فليدخل أولا الحمام، ويغسل جسده جيدا، ثم يدخل إلى النار بعد ذلك إن كان صادقا، ولو فرض أن أحدا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل، فإن ذلك لا يدل على صلاحه، ولا على كرامته، بل حالة من أحوال المخالفة للشريعة إذا كان صاحبها على السنة فما الظن بخلاف ذلك، وانتهى الحال على أن يخلعوا أطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه.
ثم ورد في السنة نفسها كتاب من السلطان يحمل الشيخ إلى القاهرة، فتوجه إليها على البريد، وخرجت جموع المسلمين باكية حزينة لوداعة، وهو واثق يرجو ويأمل فلما وصل إلى القاهرة عقد له مجلس في القلعة، اجتمع فيه القادة وكبار رجال الدولة والقضاء والفقهاء، فلم يمكنوه من الكلام وتولى الإدعاء عليه زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية، فأخذ الشيخ في كلام فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أجب ولا تخطب، فعلم أنها المحاكمة لا المجادلة، فقال من الحاكم في؟ فقيل له القاضي المالكي، فقال له الشيخ: كيف تحكم في وأنت خصمي، وآل أمر الشيخ إلى الحبس في برج أياما، نقل بعدها ليلة عيد الفطر إلى السجن المعروف بالحب، وحبس معه أخواه شرف الدين وزين.
ولبث في السجن نحو ثمانية عشر شهرا حتى إذا كان شهر ربيع الاول 707 هـ خضر حسام الدين مهما بين عيسى أمير العرب إلى مصر، ودخل السجن، واخرج الشيخ بنفسه بعد أن استأذن في ذلك.
وخرج الشيخ فأقام بالقاهرة يعلم الخير، وينشر العلم ويجتمع عليه الناس، حتى تقدم الصوفية بشكاية ضده إلى القاضي وذكروا أنه يتناول ابن عربي وغيره من أعلام التصوف في الكلام، وهؤلاء عند الصوفية حريم مقدس لا يمس، فخير الشيخ بين أشياء: أن يقيم بدمشق أو يقيم بالإسكندرية بشروط أو يحبس، فكان أن اختار الحبس مؤثرا له على قبل تلك الشروط، ودخل السجن في العام الذي خرج فيه.
ورغب أصحاب الشيخ إليه أن يجيب في السفر إلى دمشق ملتزما ما شرطوه عليه، فأجاب وركب متوجها إلهيا فأبى خصومه إلا يكون في قبضتهم وتحت أعينهم، فصدر الأمر برده إلى القاهرة، فرد من الغد إليها، وأرسل إلى حبس القضاة، وأذن بأن يكون عنده من يخدمه، وكان السلطان الناصر