فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 24

محنة الشيخ ـ رحمه الله ـ

قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ وقع للشيح ـ رحمه الله ـ من أهل عصره قلاقل وزلازل، وامتحن مرة بعد أخرى في حياته وجرت فمن عديدة، والناس قسمان في شأنه، فبعض منهم مقصر به عن المقدار الذي يستحقه بل يرميه بالعظائم، وبعض منهم يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأول عليه، وهذه قاعدة مطردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية، ويفوق أهل عصره، ويدين بالكتاب والسنة فإنه لابد وأن يستنكر المقصرون، ويقع له معهم محنة، ثم يكون أمره الأعلى وقوله الأولى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين ويكون لعلمه حظ ولا يكون لغيرة، وهكذا حال هذا الإمام، فإنه بعد موته عرف الناس مقدار، واتفقت الألسن بالثناء عليه، إلا من لا يعتد به، وطارت مصنفاته، واشتهرت مقالاته.

فقد تعرض شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ لمحن كثيرة متابعة، فلا يكاد تمر عليه فترة من الزمن حتى يتعرض لمحنة أو يشارك في معركة، أو تقع بينه وبين بعضهم مخاصمة، أو مناظرة حتى ختمت حياته بقلعة دمشق ن وهو صابر محتسب وقد حيل بينه وبين الكتابة والإفادة، فعكف على تلاوة القرآن، فختمه إحدى وثمانين ختمة انتهى في ىخر ختمة قوله تعالى"إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر" (القمر: 54 - 55) .

ثمن المحن التي تعرض لها شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أن أهل حماة كانوا قد وجهوا للشيخ سؤالا سنة 698هـ فأجابهم بما عرف بالفتوى الحموية الكبرى التزم فيها قانون السلف في الأسماء والصفات والبعد عن التأويل والتعطيل وكان الحسد قد استقر في قلوب كثير من الفقهاء، فألبوا عليه بعض الولاة، ولكن التتار كانوا مستمرين في زحفهم، ففر الولاة والفقهاء، وصمد لها الشيخ ـ رحمة الله ـ فلما من الله بالنصر على التتار، واستقرت امور العباد، وعاد الشيخ إلى الإفادة والتصنيف تحرك الحسد من جديد في قلوب الحاقدين لغلو كعب الشيخ وارتفاع مقامه عند العامة والولاة على السواء.

ومن ذلك ما حدث بينه ـ رحمه الله ـ وبين أبي حبان في القاهرة سنة 700 هـ وكان أبو حيان قد استقبل شيخ الإسلام استقبال حسنا وقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرجل وامتدحه بأبيات من نظمه تقدم ذكرها ثم دار بينهما كلام فجري ذكر سيبوية فأغلظ ابن تيمية القول في سيبوية، فنافره أبو حيان وقطعه، وصير ذلك ذنبا لا يغفر، وسئل عن السبب فقال: ناظرته في شيء من العربية، فذكرت له كلام سيبويه فقال: ما كان سيبويه نبي النحو، ولا كان معصوما بل أخطأ في الكتاب في ثمانين موضعا ما تفهمها أنت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت