عَنْ عُمُرٍ قَارَبَ الشَهْرَيْنِ وأرْبَعَةٍ وسِتِّيْنَ عَامًا قَضَاهَا في العِلْمِ والتَّعْلِيْمِ، والتَّألِيْفِ والتَّصْنِيْفِ؛ حَتَّى إذَا ضَعُفَتْ قُوَاهُ عَنْ دَرْكِ الآمَالِ، وعَجِزَ عَنْ مَعَارِكِ الزَّمَانِ والنِّزَالِ، إذْ ضَمَّتِ البَسِيْطَةُ إخْوَانَهُ، وحَجَبَ الجَدِيْدَانِ أقْرَانَهُ .
فعِنْدَهَا ألْقَى عَصَا العِلْمِ بفِنَاءِ الأرْضِ الفَسِيْحِ، ليُقِيْمَ تَحْتَ أكْنَافِهَا ليَسْتَرِيْحَ، وذَلِكَ بَعْدَ مُقَاوَمَةِ الأمْرَاضِ والأخْطَارِ، ومُدَافَعَةِ الابْتَلاءِ بالاصْطِبَارِ، ومُطَالَبَةِ الأجْرِ بتَمْحِيْصِ الأوْزَارِ، ومُشَارَفَةٍ للهَلاكِ غَيْرَ مَرَّةِ على البَوَارِ، فَكَانَ شِعَارُهُ كُلمَّا عَلا لهَا قَتَبًا، أو قَطَعَ مِنْهَا سَبَبًا: «لَقَدْ لَقِيْنَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا» ، فرَحِمَهُ الله رَحْمةً وَاسِعَةً، آمِيْنَ!
-ولَيْتَكَ رَأيْتَ طَلابَهُ ومُحِبِّيْهِ، وإخْوَانَهُ ومُعَزِّيْهِ؛ وهُم يُشَيِّعُوْنَ جَنَازَتَهُ؟!
أم لَيْتَكَ اطَّلَعْتَ على تِلْكُمُ الجُمُوْعِ الغَفِيْرَةِ الكَثِيْرَةِ وهُم صُفُوْفٌ أمَامَهَا صُفُوْفِ، وجُمُوْعٌ خَلْفَهَا جُمُوْعٌ: كَيْ يُصَلَّوُا عَلَيْهِ في دُعَاءٍ، وليَقِفُوا بَيْنَ يَدَي الله أُمَنَاءَ وشُهَدَاءَ؟!
فعِنْدَهَا سَتَعْلَمُ قَانُوْنَ أهْلِ السُّنَّةِ وشِعَارَهُم عِنْدَ الجَنَائِزِ: بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ الجَنَائِزُ!
ومَا أحْسَنَ مَا قَالَهُ الجَزَرِيُّ:
أخِلاَّيَ إنْ شَطَّ الحَبَيْبُ ورَبْعُهُ وعَزَّ تَلاقِيْهِ ونَاءَتْ مَنَازِلُه
وفَاتَكُمْ أنْ تُبْصِرُوْهُ بعَيْنِكُمْ فَمَا فَاتَكُمْ بالعَيْنِ هَذِهِ شَمَائِلُه