العقل الأمريكي له السيادة متصدرًا حضارة عالمية متفوقة مهيمنة وآسرة. يعرف جوانب قوته وضعفه، ويدرك واعيًا تحدياته، ويرسم خطى مستقبله للمواجهة. يعي حركة التاريخ ودور أقطاب الحضارة. حضارة عصر ما بعد التصنيع وتفجر المعلومات وما تفرضه عليه من مهام وتطرحه أمامه من أطماع، وسبيله إلى تحقيق الحلم الأمريكي التقليدي بإنشاء المجتمع العظيم الذي تدين له أمم وشعوب العالم بالولاء طاعة أو قسرا.
والعقل الأمريكي بهذا المعنى وبهذا الحضور المهيمن في العالم لم يعد مجرد موضوع للدراسة، أو مجرد مشكلة خارج الذات مطروحة للبحث، بل بات قوة مؤثرة على نسيج خبرات الذات التي هي أداتنا في صناعة عقلنا القوي، أو إطارنا المعرفى/ القيمي ومنطلقنا للتحرر والنهضة وبناء الإنسان المصري العربي. ترى كيف تكون حالة العلاقة معه في التعامل معه؟ هل هى علاقة تفاعل جدلي؟ أم رفض وانكفاء على الذات خارج التاريخ؟ أم احتواء لنا من جانبه؟
وما هو واقع حالنا الذي يدعم أيًا من هذه الإجابات بعيدًا عن العبارات الإنشائية؟
الموقف الإيجابى للتفاعل الجدلى يستلزم فهم الآخر. إذ مثلما أن فعالية المجتمع رهن توفر صورة عقلانية نقدية عن الذات (التاريخ/ الفعالية الراهنة/ الرؤية المستقبلية الهادية للحركة) كذلك لا بد وأن تتوفر معها صورة عن الآخر تأسيسًا على معرفة واقعية لا تنزع إلى التهويل والمبالغة المسرفة في تعظيم الآخر من واقع الشعور بالدونية ونكون فريسة له؛ ولا تنزع إلى التهوين من الآخر من منطلق نرجسية زائفة فتضيع من أقدامنا الطريق.