وحيث ان الحرية الفردية هي محصلة علاقات اجتماعية، كما أنها قيمة اجتماعية نابعة من صورة الإنسان في ثقافة المجتمع التي تحدد قيمة الإنسان ودوره، ومن ثم حقوقه وفق مرحلة تطور اجتماعي محددة. لذلك فإننا ندركها بوضوح من خلال فهمنا لطبيعة مجريات الأحداث الاقتصادية والسياسة وتطورها على أرض واقع اجتماعي بذاته له تكوينه المميز، وفهمنا العلاقات بين البشر في السياق، والتعبير عن ذلك كله حضاريًا، أي تكون الحضارة بجانبيها المادي والروحي انعكاسًا لها، وحصيلة تفاعل متبادل بين العناصر المختلفة سالفة الذكر، وبين الوعي الإنساني.
ومع هذا لا يمكن أن نذهب مع القائلين بأن القيمة الاجتماعية؛ ونعني بها هنا الحرية الفردية، مجرد انعكاس لتكوين اجتماعي اقتصادي بذاته؛ وكأنها انعكاس سلبي، وإلا كانت مجرد إقرار بواقع لا رجوع عنه فاقدًا ديناميته الاجتماعية، وحتميًا لا شأن للوعي الإنساني به. إن الحرية الفردية هنا، شأن كل قيمة اجتماعية ليست انعكاسًا سالبًا يقرره الواقع أو يعبر عنه فقط؛ بل هي دور أيضًا إيجابي يحدده لها الوعي إن تأكيدًا لوضع وحق بغية دعم البنية الاجتماعية في حركتها التطورية، أو تضليلًا لها للإمساك بهذه الحركة عند حد معين، وحفاظًا على وضع قائم؛ إذ لا سبيل لكي تبقى قيمة اجتماعية ما جامدة عند شكل ومضمون مميزين، بل لا بد وأن ترتقي بارتقاء المجتمع، وإذا ما جمدت حركة المجتمع فإن الإشكالية هنا تتبدي في إفساد المضمون وان أبقى أصحاب المصلحة في الجمود على الشكل.