ولكن أحداث الحياة الاجتماعية لا تجري هكذا سهلة سلسلة مسطحة. ولم تكن أرض الميعاد هي المدينة الفاضلة التي نسجتها أحلام من صنع الخيال، لتكون أم الجميع، والجميع أبناؤها. بل حياة صراع أو تفاعل قائم على الصراع. صراع مصالح وغايات أو صراع وجود. نعم. البشر مشروعات قابلة للتحقق من وجهة نظر النزعة الفردية وليسوا مشروعًا اجتماعيًا مشتركًا؛ ولكن يدخل الجميع بحكم الضرورة والحاجة في علاقات منذ البداية الأولى لنشوء الأمة. ويغدو التجمع الوليد مجتمعًا بفضل علاقات وتفاعل عناصر عديدة تصنع الأمة وثقافتها. وتنشا العلاقات المتبادلة التي تعبر عن نشاط الناس سياسيًا واقتصاديًاَ مصحوبة بوجهات نظرهم ورؤيتهم للحياة والعالم وتصوغ في النهاية الثقافة. وتجري في إطار هذه الأحداث عمليات الاستقطاب الاجتماعي وتحديد الأدوار؛ وتتغير المواقع ومن ثم تتغير القيم والرؤى والإنتاج الفكري والحضاري. والثقافة السائدة هي دائمًا لمن غلب وإن كان ذلك إلى حين. فالمجتمع نتاج تاريخي، أو هو عملية تاريخية تجري في الزمان، محورها التفاعل الاجتماعي بين الناس، وهو ما يمثل بُعدًا مكانيًا متمايزًا يضاف إلى بعد الزمان. وترتكز العلاقات الإنسانية على أهداف وقيم وأنماط ومعايير، وتتأثر طبيعة كل هذا وجوهره بالأشكال الاجتماعية التي يحدث في إطارها نشاط الإنسان، وأي تغير في الأشكال الاجتماعية لا بد وأن يؤثر على كل هذه العناصر.