فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 290

تباينت اللغات، ومن ثم اختلف الفكر وأسلوب تناول الواقع منعكسًا على الفكر. كل يحمل بين جوانحه وفي أعماق وجدانه وجهازه العصبي اللاشعوري ثقافة موروثة حتى وإن أعلن انصرافه عنها أو تنكره لها لم يكن الدين وحده هو جوهر الثقافة أو مجملها؛ كما يحلو للبعض أن يرى، فقد تعددت الأديان وتباينت المذاهب والنحلُ. ولم يكن الاقتصاد وحده، فالاقتصاد أو العمل الاجتماعي الإنتاجي وعلاقاته لا تزال كلها مشروعًا تضمره إرادة وعزيمة. ولم يكن التاريخ، فالتاريخ لا يزال في ضمير الغيب لم يُصنع بعد، وإنما كان الزمان صفحة بيضاء تنتظر أن تسطرها الأحداث. أحداث المجتمع الجديد. ولم تكن البيئة أو الجغرافيا وحدها، فهي طرف قائم لم تتفاعل بعد مع الطرف الآخر الوافد حديثًا. ولم تكن السياسة، فالسياسة تدبير شؤون ومعاش مجتمع تحددت معالمه والعلاقات بين أبنائه ومواقعهم وأهدافهم لتعمل السياسة على تحقيقها من خلال حاكم فرد أو مؤسسات مختارة بإرادة أصحاب الشأن. ولم يكن الفن والأدب، فهذه كلها ظواهر اجتماعية لا فردية، وانعكاس لمجتمع له مشكلاته وطموحاته التي لا تزال في رحم المستقبل. لا تزال على عتبة سياق أحداث تاريخية اجتماعية تصنع أمة لها هويتها.

كل إنسان وافد وطئت أقدامه العالم الجديد أو عالم المجهول، إنسان فرد، وعالم بذاته مستقل حر حسب ما تتراءى له الحرية وحسب ما تصادفه من عوائق تسد السبل؛ تصارعه فيصرعها أو تصرعه. تجمّع بشري لا يعرف غير اثنتين: الإرادة والغاية. أما الإرادة فلانة بدونها يفقد مبرر وجوده وسلوكه، وأما الغاية فهي المحرك الذي يرى من خلاله الوجود، وهي غذاؤه. وإذا كانت الإرادة هي مبرر الوجود فإن الغاية هي عين الوجود، تكسبه معناه وتضفي عليه قيمته. وتحقق الغاية هو تحقق للوجود الذاتي. وهكذا تغدو الذات مصلحة أو مشروعًا قابلًا للتحقق بفعل الإرادة، وبدونه ينتفي الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت