ولكن المعركة أو الأزمة، تبدأ على أرضية جديدة غير أرضية عصر النهضة، وإن ظل الحلم واحدًا، وهو المحرك، أو الدافع الأساسي للإنسانية ومؤشر الأزمة، وتتمثل الأرضية الجديدة في أن العلم والتكنولوجيا غيَّرا الواقع فعلًا، وانتقلا بالإنسانية نقلة كيفيّة جديدة، ووضعا تحت سيطرتها إمكانات كفاية لأن تفنى وتدمر، وأن تبنى وتعمّر. وارتقى الإنسان بفكره وبإمكاناته إلى مستوى أرحب من الحرية الفردية والمجتمعية، وفيما بين المجتمعات. قدم العلم والتكولوجيا منافع مبشرة، أو انطويا على أخطار منذرة، وهما في الحالين لغة عالمية مشتركة غير مسبوقة، وواقع حال لا راد له؛ ولم يعد بالإمكان النظر إلى الكون والحياة والمجتمع والإنسان إلا من خلال منجزاتهما. وتقارب الناس والمجتمعات بفضلهما، وبات التأثير المتبادل بينهم واضحًا وفعالًا. ولا فكاك من أن يكونا هما مفتاح الأزمة التحول الكيفي المأمول نحو رفاهة وجدانية ومادية. هذا أو ردة إلى الهمجية التي لن تبقي ولن تذر. لا بد من إبداع ثقافة جديدة تكون إطارًا للعلم والتكنولوجيا نحو نهضة أو مرحلة حضارية متمايزة تصالح بين العقل والوجدان، أو ترسخ العقل وتشبع الوجدان بعد طول إهمال لأسباب أنانية الإنسان.
وقد يتراءى للناظر وكأن الإنسانية عندما تمسك بخناقها الأزمات، وتضعف حيلتها أمام الطغيان؛ طغيان السياسة والمال، وإفسادهما للعقل، لا نجد من سبيل إلا أن تنسحب على ذاتها تلملم شملها، وتستجمع قواها، وتعيد حساباتها، وتخلو إلى نفسها أو روحها تسترجع ماضيها، وتستقرئ واقعها من زاوية جديدة، وتقيَّم إمكاناتها، وتتخفف حينًا من أفعال أو أوزار معركة بناء جافة أرَّقتها أو خذلتها. وكأن هذا كله ايذان باكتمال دورة حضارية على طريق الارتقاء الإنساني الممتد، ثم تتهيأ لقفزة كيفية جديدة من منطلق رؤية مغايرة تسقط سوالب الماضي وعلة أزمته. ربما. أم أنها ردة بغير حساب؟