هذا حال الغرب في مسيرته التاريخية القريبة مع شعار النهضة والتنوير. أما نحن في العالم الثالث فلا نزال نعيش عصرًا غير العصر؛ وإن كان الحلمُ لا يزال هو ذات الحلم؛ وإن افتقر إلى الحيثيات. ولا فكاك من أن يكون للعالم الثالث، بثقافاته المتباينة، حضوره الفعال من خلال حركة إنسانية وفكر تنويري أصيلين نابعين من واقعه، ويمثلان حلقة مكمَّلة لسلسلة الفكر الحضاري الإنساني فيكونا امتدادًا وتصحيحًا لحركة التنوير الغربي برؤية إنسانية شاملة. وإذا كان لزامًا على مجتمعات العالم الثالث أن تعيد بناء ذاتها في ضوء نظره تحليلية تركيبية لتاريخها ولواقعها المحلي والعالمي المعاصر وتعتمد التفكير العلمي أساسًا لها، فإن ثمة سؤال من بين أسئلة أخرى كثيرة فيما يفكر عقل القوة الأعظم في الغرب، وريثة أوروبا، التي تعلن ميلاد نظام عالمي جديد انعقد لها فيه لواء الزعامة، وهي صاحبة حلم المجتمع العظيم الذي بشر به وعبر عنه المؤرخ والفيلسوف الأمريكي جون فايسك (1842 ـ 1901) في حديثه عن المصير الواضع للولايات المتحدة التي يحدها الدب القطبي شمالًا، وتقدم الاعتدالين جنوبًا، والعماء البدائي شرقًا، ويوم القيامة غربًا. بدأت الولايات المتحدة ثورتها من أجل الاستقلال حاملة لواء الحرية الفردية؛ وإن أخفت أو تغافلت عن تاريخها السابق مع أبناء البلاد الأصليين ومع السود. ولكن كيف تطور شعارها مع تطور حركة المجتمع الأمريكي وعلاقته بالعالم؛ من الحرية الفردية إلى مسخ الكائنات؟ الإجابة تشكل مكونا أساسيًا لفكر جديد. هذا إذا شئنا أن نقف مع التنوير، وأن نلتزم بالإطار المعرفي القيمي لحضارة العصر من خلال رؤية عقلانية نقدية تهدي خطواتنا على طريق صاعد، شاق وطويل.
خلفية من التاريخ
الدول الصغيرة شيء من تراث
الماضي الذي عفا عليه الزمن ولا
مستقبل لها.
هنري كابوت لودج
ميلاد ثقافة.. وصناعة تاريخ: