لذلك لم يكن غريبًا أن ينادي مناد بين الناس، هنا أو هناك، يقول يائسًا في خوف وهلع: ليس العقل أو العلم هو سبيلنا إلى الإخاء والحب، وهو العنصر الثالث في شعار النهضة؛ بل سبيلنا إليهما هو الوجدان. هكذا نرى الآن شبابًا ضاق صدره، في الغرب، بجرائم الإنسان أو الحكام، وغلبة العداوة والبغضاء، وغاض الأملُ في عينيه، وانطوى صدره على الأحزان، وبدا المستقبل كئيبًا، وواقع الحياة منذرًا بالأخطار؛ بل والدمار. وتلمّس الشباب الخلاص أو راحة النفس وسكينة الضمير في الهرب من العقل إلى الوجدان. وتعددت مسميات الوجدان وسبل الخلاص في الشرق الأدنى وفي الشرق الأقصى وفي أوروبا وأمريكا. تعددت الأسماء والجوهر واحد. الهرب من العقل ومن الواقع،. أو الهرب من الخوف، والبحث عن أساس للإخاء والحب بين الناس، وبين الإنسان والطبيعة. نوع من وحدة الوجود أو الصوفية، قد تعيد، في ظنهم الأمل المفقود، وتغرس السكينة في النفوس، ويهدا معها البال المثقل بالهموم. ويبدو السلوك في ظاهرة اتهامًا صريحًا لمسيرة العقل على مدى القرون القليلة الماضية التي كان المأمول أنها قرون واعدة، ولكن كان الخذلان القاسي نصيب محبي الحرية والإخاء والمساواة. تحقق قدر من الحرية هنا، وقدر من المساواة المرحلية هناك، وضاع الحب أو الإخاء في كل مكان، وأجدب الوجدان. وقيل السبب طغيان العقل. وهو حكم لا يزال بحاجة إلى بيان.