وشهدت هذه الحقبة أيضًا ثورات وتحركات اجتماعية في مواقع أخرى من العالم، رأى زعماؤها، ورأت معهم شعوب كثيرة، أن هذه الثورات هي السبيل لتصحيح المسار واستكمال ما فات (1) . وقد صور لورد أكتون Acton هذا التناقض على الساحة الغربية منذ فترة باكرة في مقال له في عام 1878 قال فيه:"كانت الحرية هي شعار الطبقة الوسطى أما المساواة فقد كانت شعار الطبقة الدنيا أو العامة. ولقد كانت الطبقة الدنيا هي وقود معارك النضال وهي المنتصر، إذ انها هي التي استولت على الباستيل وجعلت فرنسا جمهورية دستورية. وطالبوا بحقهم في مكاسب الثورة. ولكن الطبقة الوسطى أقامت نظامًا جديدًا كفل لها الاستئثار بالامتيازات وفرض أشكال من الظلم الاجتماعي. وحرمت شركاءها في الثورة من حق التصويت. وبذا لم تكن الثورة قد اكتملت ولا أوفت بوعدها بالنسبة لأبناء الطبقة الدنيا. إذ لم تتحقق المساواة المنشودة" (2) .
لقد كان عصر النهضة والتنوير عصر العقل، إذ استرد فيه العقل اعتباره وأهليته وسلطاته. وحقق العقل انتصارات وفتوحات مذهلة، وفق قواعد منهجه الجديد في مجال العلوم والبحوث المختلفة. وشهد النصف الثاني من القرن الحالي أخطر وأعمق تحول في تاريخ البشرية أو تاريخ العقل الإنساني وإنجازاته، ونعني بذلك ثورة في العلم والتكنولوجيا والمعلومات وسرعة الإنجاز، والتي تعرف باسم عصر ما بعد التصنيع. واقترنت هذه الثورة أيضًا بمزيد من بعد الشقة بين حلم الإنسانية"الحرية ـ الإخاء ـ المساواة"، وبين وقاع الحال وما يبيته من يملكون أسباب الهيمنة، وما يروجون له من نظريات ويمارسونه من تسلط، ويبشرون به من مجتمع القطيع ويهدد بسلب الإنسان إنسانيته.
(1) 1 ـ انظر شوقي جلال: نهاية الماركسية، القاهرة ـ دار سينا، 1994.
(2) 2 ـ انظر شوقي جلال: نهاية الماركسية، القاهرة ـ دار سينا، 1994.