فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 290

عقد الإنسان الأمل على أن يصل به العقل إلى برَّ الأمن والأمان، وسكينة النفس ورخاء الحياة، وسمو الوجدان وإثراء إنسانية الإنسان. ولكنه فقد المساواة حينا، والحرية حينا آخر، وفقد الإخاء في جميع الأحيان. وتأتي التكنولوجيا والعلم في أيدي أصحاب السلطان، في عصر ما بعد التصنيع، ليسدا السبل إلى حياة العدل والأمان، ويكونا سيف إذلال وعامل ترويع، وقوة لمزيد من السيطرة والاستبداد. لا لأن هذه هي طبيعة العقل، ولا هذه هي رسالة العالم والتكنولوجيا حكم وسلطان. هذا فضلًا عما أثارته الحقبة الجديدة من مشكلات لم تكن في الحسبان، عندما ظن الإنسان أن القيمة الأولى للعلم هي السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لسعادة الإنسان؛ إذ حقق العلم انتصاراته, وغزا آفاقًا جديدة رحبة بعيدة, ولكن بدت الطبيعة وحشًا يستعصى ترويضه؛ بل لقد أحدث التقدم العلمي والتكنولوجي خللا وتلوثًا في الطبيعة، وفرض على الإنسان مشكلات مصيريّة جديدة، وهيأ للإنسان إمكانات رهيبة لإفساد توازن البيئة أو الكون القريب من حوله قد يفضي إلى الدمار والفناء. أو خلق كائنات دقيقة بفعل العبث بقوانين الطبيعة وتغيير ناموسها، أو إعادة تنظيم شفرات الجينات بعد أن تكشفت له بعض قواعدها بفضل علوم جديدة مثل الهندسة الوراثية وما قد يجره هذا كله من أخطار قد تهدد كرامة الإنسان أو تجلب أخطارًا تعادل أخطار الانفجارات النووية أو تزيد. ويبدو الإنسان هنا قادرًا على الفعل ولكن عاجزا عن المواجهة والتحكم، عاطلًا من المعايير التي تهدي وتلزم. وفي كل هذا، ومعه، الإنسان أبعد ما يكون عن قيم النهضة وآمال عصر العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت