لقد تطورت المفاهيم الرأسمالية عن"الحرية الفردية"وفق منطق غريب وشاذ. فمع ازدياد مظاهر الفقر المادي، وفقدان الأمن وغلبة القلق وعدم الاستقرار الاجتماعيين، لم تعد شعارات عصر التنوير والتغيير ملائمة لأصحاب المصلحة في الحفاظ على الوضع القائم. وتيهأت الظروف في ذات الوقت لكي تتبنى فئات اجتماعية أخرى شعار الحرية الفردية، وترى فيه مطلبًا اجتماعيًا لحركة ارتقائية جديدة. ولكن السلطات تسمح بالحديث، لمجرد أنه حديث، يفيد في تفريغ شحنات مكبوتة خيرًا من أن تنفجر وتهدد النظام، أو تترتب عليها أحداث"مؤسفة"غير محمودة العواقب. وتشيع تفسيرات وتأويلات عديدة تخدم هذا الهدف، منها مثلا: أن الحرية اسم بغير مضمون، أو أنها لا تعني سوى حرية الفرد دون مدلول اجتماعي، أو التمسك بالمعنى الرومانسي والاستشهاد بما قد يفضي إليه من فوضى اجتماعية، أو النظر إلى الحرية في إطار سيكولوجي خالص من حيث شكل السلوك، أو الزعم بأن الإنسان طاقة غريزية نزاعة إلى الشر، أمارة بالسوء، ثم تقف عند هذا الحد دون البحث عن الأسباب الاجتماعية وراء ذلك. أو القول: إن المرء لا يمكن أن يحصل على ما يشتهي في وقت واحد، وإنما عليه أن يضحي ببعض المثل العليا الاجتماعية حرصًا على مُثُل عليا أخرى؛ أي نطبق نظام المقايضة. وتوضع الحرية هنا كإحدى القيم الاجتّماعية التي يمكن أن نحظى بها مقابل تنازلنا عن البعض الآخر من القيم التي نمجدها حقًا بعبارة أخرى أكثر صراحة: إن الحرية الفردية ـ في زعمهم ـ ثمنها عدم المساواة، وتحمل بعض المظالم الاجتماعية المادية.