وإزاء الهوَّة الفاصلة بين التطلعات الاجتماعية للجماهير، وبين الواقع الاجتماعي للطبقة الحاكمة صاحبة السيادة والمصالح المتميزة، يعمد المفكرون من أبناء هذه الطبقة إلى تبرير هذه الهوة، بما يطرحونه من أفكار ونظريات . إنهم لا يسقطون الشعار؛ بل يفرغونه من مضمونه، ويثيرون الشكوك في قيمته الحقيقية، يظن الناس أن الحرية أو المساواة إن هي إلا كلمات أو ألفاظ أو موجات صوتية تخرج من أفواهنا ,وما نقول إلا كذبًا, إذ ليس لها من مدلول في واقع حياة الإنسان والمجتمع. إنها عملة زائفة بغير رصيد,أو تميمة خلعنا عليها من ذواتنا قدسية خاصة هي منها براء.وهذه ظاهرة واضحة متواترة يحكيها لنا التاريخ دائمًا بالنسبة لكل المبادئ والعقائد والنظريات الاجتماعية, إذ تكون في البداية فعالة ومتسقة مع مطالب أساسية للمجتمع, وقوة حضارية دافعة, ثم لا يلبث أن يتحرك الواقع حركته المطردة أبدًا, وتبدأ الهوة بين قطبي الحركة الاجتماعية:الفكر والواقع .ثم تأخذ الهوة في الاتساع شيئًا فشيئًا دون ملاءمة دينامية واعية بين الفكر ومشكلات المجتمع ,أو الواقع الحي . ويتطلع الناس إلى الماضي ويرونه حلمًا, وعصرًا ذهبيًا ولّى وانقضى ,يحلون به ,وتداعبهم رؤاه حين تضيق بهم السبل، وحين يفقد الفكر خصوبته وحريته.