فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 290

لقد كانت المرحلة التمهيدية من الثورة العلمية مرحلة وصف ونقد قبل أن تكون بناء وتشييد. ولكنه نقد هادف وفقًا لمتطلبات فرضها الواقع المتغير. ثم بدأت مرحلة البناء على نطاق واسع وجماهيري بعد ذلك في القرن الـ (18) ؛ إذ كان لا بد وأن يأتي أولًا استكشاف آفاق واسعة، وتحدى السلطة القديمة فكرًا وقيمًا أخلاقية خاصة ما يتعلق منها بالأحكام الفردية والمسؤولية الفردية كشرط أولي لانتصار التحول الاقتصادي الجديد. لقد اقترن الفكر الحر بالعالم، وما كان بالإمكان أن يتقدم العلم بدون هذه القيم الجديدة عن الحرية الفردية. وهي خطوة لا رجوع عنها لأنها مطلب أساسي وحيوي لواقع لا راد له، يتمثل في التقدم الاقتصادي الصناعي والحضاري بعامة الذي بدأ ولن يتوقف. وطرح التقدم الصناعي مشكلات علمية جديدة تستلزم الحل وتعطي نظرة جديدة إلى العلم والى الإنسان.

ومن هنا جاءت نظرية القانون الطبيعي في ثوبها الجديد، أو صيغتها المغايرة للصورة التقليدية الموروثة. وبدأت هذه الصورة مع ماكيا?يللى (1469 ـ 1527) ؛ ثم توماس هوبز (1585 ـ 1679) اللّذان أكدا أن القانون الطبيعي ليس؛ كما كان الاعتقاد سابقًا، وليد السماء بل وليد الإنسان نفسه؛ أي نابعًا من طبيعة الإنسان ذاته وتعبيرًا عنه. ذلك لأن الطبيعة لا تقدم لنا نموذجًا للدولة الجيدة، بل إنه لا توجد في حالة الطبيعة دولة أو حكومة؛ وإنما رغبة فردية وحرية فردية، ولكل فرد الحق المطلق في الحفاظ على نفسه وممتلكاته. وتجنبًا للصراع فإن الإنسان يلوذ بعقله يلتمس منه المشورة بشأن حماية نفسه وتحديد الأُسس القانونية لضمان السلام؛ سلام نفسه وسلام المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت