فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 290

ولكن هذا الوضع لم يكن له أن يدوم في وجه تحديات التطور الاقتصادي والتقني الذي صاحب النمو الحضاري، وأصبح التوسع في نطاق المعرفة ضروريًا؛ المعرفة النابعة من تصفح كتاب الطبيعة واستقراء الواقع المتجدد، والتوسع في أعداد المشاركين فيها. وبات لزامًا أن تغدو المعرفة خبرة وعملًا، معرفة فعالة تفضي إلى التغيير أو التطوير والارتقاء؛ وليست معرفة استاتيكية جامدة، حتى وإن تعارضت مع أهوائنا. وبدأ واضحًا أن تقدم العلم حركة، وأن اكتساب المعرفة تطور ونمو، وأن الحقيقة وليدة البحث والاستكشاف والحوار المؤسس على البرهان، وليست وديعة في خزائن أو رؤوس الصفوة. وعززت الفلسفة هذا التوجه الذي فرضه العلم استجابة للتحولات الحضارية التي ما كان لها أن تتقدم دون إقرار الحرية الفردية بضمونها الجديد.

ومن ثم كان القرن الـ (17) هو القرن الذي أكد فيه الفلاسفة؛ لسان حال الواقع والعلم في رؤيته الشاملة الجديدة، أن هناك إطارًا بديلًا لما كان سائدًا في العصور الوسطى. وعملوا على توسيع نطاق هذه الرؤية وإشاعتها مقترنة بنمط سياسي واقتصادي جديد يحدد دور الإنسان من منظور مغاير تمامًا لما كان سائدًا قبل ذلك. وهكذا كان القرن الـ (17) قرن هدم وتقويض؛ إذا جاز هذا التعبير، وتجاوز إرساء دعائم وأسس المرحلة الجديدة، ليأتي القرن الـ (18) ويكون هو قرن تمثُّل وهضم أحداث التقدم العلمي والفكر الفلسفي المصاحب أو الداعم له الذي جرت أحداثه. في القرن السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت