فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 290

ثانيًا، كانت مرحلة الثورة الصناعية في انجلترا، ومن بعدها الثورة السياسية في أمريكا وفرنسا، عصر تحول اجتماعي في العلم والفكر والأخلاق والسياسة والاقتصاد؛ بحث تداخلت خيوط العلم والتكنيك والاقتصاد والسياسة في نسيج واحد لتصوغ تحولًا ثقافيًا متكاملًا ومتجانساًَ، وهي مرحلة حاسمة في تاريخ البشرية بكل محتواها الجديد، وخطوة عملاقة في سبيل سيطرة الإنسان على الطبيعة لتكون ذلولة له، وفي سبيل شعوره بذاتيته كائنًا فعالًا. وكان النصف الثاني من القرن الـ (17) هو زمان المرحلة الحاسمة في تثبيت أركان العلم الحديث، بعد أن مهّد الفلاسفة لذلك بتقويض دعائم الفكر الاجتماعي الكلاسيكي، الذي ساد بنمطيته قرونًا عطل خلالها الفكر الإبداعي، وأنكر على الفرد؛ عالمًا أو فيلسوفًا أو فنانًا، حقه في التفكير الحر أو الخروج عن النصّ وعن التقليد ومجافاة النهج المرسوم شكلًا ومحتوى. واحتكرت الكنيسة آنذاك، أو مؤسسة الصفوة صاحب السلطان، المعرفة وحق تحديد الصواب والخطأ، والخير والشر. وكانت المعرفة في حدود التصور الرسمي لهذه الصفوة الحاكمة معرفة نظرية تأملية استاتيكية تفتقر إلى نبض الحياة وواقعها، على نقيض المعرفة التي يبشر بها العلم الوليد آنذاك؛ وهي معرفة خبرة وعمل ونظر معًا. وطبيعي أن المعرفة الأولى تتسق تمامًا مع نظام تقليدي جامد يستمد معارفه من نصوص قديمة مقطوعة الصلة بالواقع، ويقف ضد التغيير حماية لنفسه، وحفاظًا على وضعه. ولم يكن غريبًا أن يكون سلاح مؤسسة الصفوة الحاكمة؛ وعلى مدى قرون، إعلان أن الخارج عن ذلك مارقٌ كافر وليس حرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت