أحدثت الثورة الإنجليزية، أو كما تسمّى الحرب الأهلية البريطانية، ثورة حقيقية، وكانت فرصة صراع حاد بشأن الديموقراطية وحقوق الإنسان المدنية في حدود متطلبات العصر. وانتهت الصراعات لصالح الديموقراطية الحديثة، أو الوليدة، بفضل تأييد العلماء والفلاسفة ومساندتهم النزعة البرلمانية. حتى ان بعض العلماء عبروا عن أهدافهم وقتذاك بقولهم:"كل ما نريده هو إشباع رغبتنا في أن نتنفس هواء حرًا، ونجري حوارًا بغير قيود، وأن نتخلص من أغلال عصور بالية. ونلتمس فسحة للاختلاف دون أن يحيلنا الاختلاف في الرأي إلى أعداء يحارب بعضنا بعضًا" (1) .
وليس غريبًا أن يكون للعلماء دورهم البارز كطلائع تدافع عن مطلب حرية الفكر والتعبير إيمانًا بأن هذه الحرية ركن أساسي من أركان مفهوم الحرية الفردية. فقد كانوا هم وقود وضحايا البطش الفكري. وسيرة حياة جاليليو جاليلي وغيره شاهد على ذلك. ومع اطراد حركة الواقع الذي يفرض نفسه، تتجمع أحداث التاريخ كما تتجمع مياه النهر وراء أحد السدود، ثم يزيد الضغط ويعنف شيئًا فشيئًا حتى يكون الواقع أقوى من كل السدود، فلا يلبث أن يهدمها ويقوض أركانها ويندفع يشق طريقه فلا يبقى ولا يذر. ولقد اقترنت الثورة الصناعية التي كانت بداية تراكم أحداثها وتحولاتها في انجلترا، بثورة علمية انعكست على كل مجالات وأطر الفكر الإنساني، وتجاوز أثرها ميدان الصناعة. وكان العلماء في انجلترا، ثم في فرنسا وغيرها، هم أساسًا أصحاب فكر راديكالي ليبرالي؛ إذ شعروا بالحاجة الملحة إلى حرية الفكر والحوار والاستكشاف والخروج على سلطة التقليد. وكانوا في شعورهم هذا أسبق من رجال السياسة؛ ناهيك عن رجل الشارع.
(1) 2 ـ نفس المصدر، ص 453 ـ 454.