وسار مفهوم الحرية الفردية في العصر الحديث عبر تاريخ طويل من الصراعات التي واكبت حركة التطور الاجتماعي، وكان في ذات الوقت تعبيرًا عن متطلبات هذه الحركة لكي تمضي قدمًا في طريقها، ولا أقول غايتها. ولعل تاريخ هذه الحركة في العصر الحديث يبدأ مع الثورة الإنجليزية أو الحرب الأهلية التي جرت وقائعها في بريطانيا؛ مهد الثورة الصناعية. وتطوّر مفهوم الحرية الفردية واتّسع واغتنى مع تطور واتساع وثراء حركة التطور الاجتماعي في عصرنا الحديث، وهذا أمر له دلالته.
إذ اننا لا نستطيع أن نزعم مع الزاعمين أن مبادئ الحرية والأخلاق وجدت مكتملة وكاملة في مبادئ وعقائد في الماضي البعيد، وسوف تظل كما هي وإلى الأبد، حتى وإن جاءت صياغتها في صورة مختصرة ومختزلة أو رمزية، ونسقط نحن عليها ما نشاء من معان تتفق وهوانا. ويؤكد هذا أن كل قيمة جديدة خاصة بالحرية الفردية تأتي تعبيرًا عن واقع جديد، وعلاقات تجسد هذه القيمة. ولكن ثمة خيط طولي وعرضي يربط الجديد بالنسيج الثقافي الاجتماعي، خيط يؤكد الاتصال دون الانفصال، ويؤكد الإيجابي دون السلبي، ثم قد تتراجع هذه القيم أو ينحرف مضمونها عن طبيعة حركة المجتمعات؛ إن كانت قد احتفظت بزخمها واطراد تطورها؛ أو صادفت عوائق حالت دون اطراد حركتها الحرة وفق قوانين التطور.