وأفادت نداءات الحرية الفردية، ابتداء من عصر النهضة، ثم في عصر ثورة الحضارة الصناعية، حق المرء في التفرد وتنمية ذاته علمًا وإبداعًا ومالًا وفهمًا متمايزًا لواقع حياته وصورة مستقبله. واقترن هذا بحق المرء في الحصول على فرص متكافئة لتنمية ذاته؛ بمعنى توفير القدرة على التفرد وأصبح لكلمة الفرد، ولأول مرة في تاريخ البشرية، مدلولًا جديدًا أهم سماته التمايز والتميز؛ بعد أن كان الفرد عنصرًا أو مكونًا عدديًا اجتماعيًا، وكل المكونات سواء شان لبنات البيت ذائبة في الكل، إلا الحاكم أو السلطان. وبعد أن كانت هوية المرء تنبع من حسبه ونسبه أو قبيلته أو عقيدته أو تبعيته كواحد من الرعايا. الخ، أصبحت، بعد سيادة مفهوم الحرية الفردية، تنبع من امتيازه الفردي وذاتيته ؛ أي كانت هويته قديمًا مستمدة من خارج، وهي اليوم مستمدة من إمكاناته الذاتية الفاعلة وإبداعاته الشخصية. وأصبح الفنان أو العامل أو الصانع المبدع هو المتفرد الذي نَّمى ذاته وحصل على خبرات في حياته أثرت نفسه، وأثرى بها الحياة الاجتماعية، فعبّر عن نفسه كفرد، وهيأ له المجتمع الفرص التي مكنته من التنمية والتعبير في استقلال، وفي إطار المسؤولية الاجتماعية.
وكان هذا الفهم للحرية الفردية بداية ومنطلقًا لفهم آخر أكثر ارتقاء وشمولًا يجمع في وحدة جدلية بين حرية الفرد وحرية المجتمع؛ بل الفرد المتميز في تناغم مع المجموع. إنه حرٌ في إطار الضرورة الاجتماعية التي تمثلها ثقافة المجتمع بدينامياتها الإبداعية، لا الراكدة، والتي يمثلها فهم لطبيعة بناء المجتمع وقوانين حركة التغير في هذا البناء، وإيمان بواقعيته. وهو ما يعني أنها حرية جناحاها: العقلانية والمسؤولية، وركيزتها: فهم واع وعلمي للواقع، واتساق بين أهداف ومصالح الفرد والمجموع.