فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 290

ولعل أهم وأخطر ما قدمه عصر التنوير من انجاز ثوري، ويعد بحق معلم الحقبة الحضارية الجديدة، هو شعار الحرية الفردية. فقد جاء شعارًا جديدًا، ولا أقول مفتعلاًَ أو دخيلًا، معبرًا بصدق عن مقتضيات مرحلة ارتقاء حضاري جديدة لم يسبق لها مثيل. فلم يسبق أن تحدثت مذاهب أو معتقدات عن الحرية الفردية بهذا المضمون الاجتماعي والفردي. جاء الشعار خلاصة أو تلخيصًا لمطالب ثورات الشعوب وطموحات رجال العلم والفكر فتعطله وتشل إمكانات البحث والخروج من أسر آراء ونظرات فرضتها المؤسسة الحاكمة قرونًا. كما مهدوا بفكرهم للخلاص من قيود مفروضة على الفلاح فتعوق حركته وتبقيه عبدًا رهين الأرض، ومفروضة على التاجر وصاحب المشروعات فتثبط جهودهم وتحبط أعمالهم وهممهم. حرية الفكر والاعتقاد أو التسامح العقائدي، وحرية التملك بعد أن كان الفرد؛ وهنا تعني العبد، محرومًا من هذا الحق. وأكد على حرية المرء في أن يكون له رأية الخاص دون أن تفرض عليه السلطة، أي سلطة غير سلطة العقل العلمي الناقد، قيمًا وآراء بذاتها؛ أي حرية الرأي الآخر وليس رأيي أنا وحدي، أو رأي صاحب السلطة والسلطان. ودعا إلى حرية الفرص العصر الحديث الذي لخصته حقوق الإنسان، ونادت به ثورات ثلاث متعاقبة: الإنجليزية والأمريكية والفرنسية، ثم من بعدها العديد من المواثيق الدولية: حرية الفرد دون اعتبار لفوارق اللون والعرق والدين والدم والجنس والثروة: وحرية المرء في اختيار عمله وأسلوب حياته وبناء مستقبله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت