وما لم تكن الحرية قرين العقلانية الناقدة التي هي أساس التكليف والمسؤولية، تصبح حرية قطيع حيواني، ويكون الإنسان هنا، شأنه شأن الحيوان،"حرًا"في أن يفعل هذا أو ذاك وفق إحساساته الخاصة، وردود أفعاله المباشرة، وخبرته الذاتية التي ترسبت في مراكزه العصبية. وهنا تسقط عنه الرابطة المجتمعية كما يسقط عنه التراث التجريبي المميز للمجتمع الإنساني كامتداد تاريخي داخل في إطار الوعي، خاضع للفهم والتحليل والنقد، وقابل لأن يكون أساسًا لرؤية مستقبلية هادفة. وتتبدي الحرية العقلانية الفاعلة في ذلك التحليل النقدي واختيار الرؤية المستقبلية. ولكن انحصار الإنسان داخل مشاعره أو أحاسيسه الخاصة وتجاربه الذاتية؛ شأنه شأن الحيوان، يعني وقوعه فريسة للاعقلانية والفوضى المعنوية. فإذا كنت أعيش أسيرًا لإحساساتي الخاصة فإن أحكامي الأخلاقية ذاتها لن تعدو أن تكون مجرد مشاعر خاصة، أو هي رد فعل آني وأناني يتغير مع تغير الظروف الذاتية المحيطة بي. أما العقلانية الناقدة فتقتضي النظر إلى الحدث الذي يدخل إطار خبرتي الآن باعتباره جزءًا من كل، وأن نربط بينه وبين الأحداث الأخرى السابقة في نسق كامل بين العلاقات الاجتماعية، وأن انظر إليه باعتباره عملية حية نابضة، وليس شيئًا جامداًَ بغير حراك، حدثًا يقع وينتهي دون رابطة سابقة أو لاحقة. وأن انظر، أو قل ننظر إليه، مجتمعًا لا فردًا، باعتباره تاريخًا ومرحلة في تاريخ. ففي هذا مجمل إنسانية الإنسان الحر العقلاني والمسؤول.
تنوير وعصر جديد من الحرية: