إن إدراكنا للظروف الموضوعية وللعلاقة الخاصة التي تقوم بين الناس والتي ينمو وعينا لذواتنا في إطارها، لا يعني خضوعنا للقضاء والقدر، وإنما يعني أننا نسلك الطريق الوحيد المفضي إلى الحرية. إن فهم ما يجري حولنا، وما نستطيع أن نفعله لتحقيق اهدافنا معناه الانتقال من نطاق الوضع المفروض، أي من نطاق الضرورة إلى الحرية. والبديل عن ذلك هو الخضوع للواقع الراهن، أو الاستسلام للسلطة الأقوى حاضرة أو غائبة. أليس هذا هو منطق صراع الحضارات أيضًا. الذي ينطوي على صراع ثقافي معرفي. الصراع بين الحضارات بما في ذلك صراع الثقافات، هو تحديات مفروضة تقتضي استجابات واعية على مستوى العصر، ولن تكون كذلك إلا إذا كانت استجابات حرة تأسيسًا على فهم حر.وإن انتصار المجتمع في حلبة الصراع الحضاري، بمعنى قدرته على تحقيق الاستجابة الإبداعية الملائمة إزاء التحديات لا يكون إلا بفضل حرية الفهم ـ والفعل الفردي والاجتماعي. وبدون ذلك قد يفر المجتمع في الحديث عن الحرية وعن الاستقلال وعن أمجاد الماضي وعظمه التاريخ، ولكنه مع هذا كله مكبل عاجز عن الاستجابة الإبداعية، عاجز عن الفهم والفعل في حرية.