فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 290

لهذا فإننا حين نقرر أن الحرية تعامل واع هادف، فإننا نعني أنه تعامل علمي حضاري؛ أي تعامل من خلال الرؤية العلمية التي يوفرها العصر لصاحبها فتعطيه قدرة ملائمة على الانطلاق يتجاوز بها مراحل سابقة، وينتقل بها، لا كفرد، بل كمجتمع، إلى مرحلة جديدة في سلسلة التطور الارتقائي للوعي البشري والبناء الاجتماعي وهيمنة الإنسان على الطبيعة (إنسانًا ومجتمعًا وبيئة) في إطار نسق معرفي قيمي ينشد خير الوجود الإنساني وإلا أصبح هدما للطبيعة ومن ثم الإنسان، وهاهنا نقول: إن الحرية ارتقاء مطرد مع ارتقاء المعرفة العلمية؛ قرينة القيم، والتي هي معرفة مجتمعية وأداة تحرر مجتمعي وعالمي. إذ مع ارتقاء المعرفة العليمة تزداد فرص المجتمع للتحكم الواعي في مقدرات حركته حاضرًا ومستقبلًا، ويصبح الإنسانُ واعيًا بمصيره، صانعًا له. والزيادة في الحرية بهذا المعنى هي في آن واحد نقص في الإيمان بالقدرية، وزيادة في نسبة الإرادة العقلانية الخلاقة.

والحرية الفردية بهذا المعنى، ليست تمحورًا حول الأنا وتهويماتها، ولا انفصالًا عن أهداف المجتمع؛ بل هي مكون من مكونات هذه الأهداف، وأداة لها، وثمرة لحركة المجتمع. وهي ليست حرية قطيع، مثلما أنها ليست انطلاقًا فوضويًا ـ في معمله حر بمعنى حقه في التجريب وتجاوز التقليد؛ بل والتمرد عليه. ولكنه ملتزم بقوانين التجريب، وقواعد وقيم البحث، وقوانين حركة مواد التجريب، وملتزم بأهداف المجتمع وإمكاناته الاقتصادية. الخ. وإذا لم تكن الحرية تعني حرية القطيع فإنها تقتضي، أو قل إنها لن تكون حرية إلا إذا توفر وعي بها؛ وعي بالتحرر من قيود معينة، ووعي بعقبات وأغلال باتت بآلية يلزم تجاوزها، ووعي بهدف منشود يرجى أن تصل إليه الحرية، أو أن نصل إليه بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت