ومن هنا نقول إن حرية الإنسان لا تعني مجرد قدرته على الملاءمة والتكيف مع الظروف التي نشأت تاريخيًا في بيئته، ومن ثم يكون سلوكه أو تكيفه تقليدًا؛ بل تعني أولًا القدرة على التأثير الإيجابي النشط والابتكاري في هذه الظروف وتحويلها ـ قدر المستطاع ـ لتتلاءم مع أغراضه وأهدافه الاجتماعية العقلانية. وتعني أيضًا أن يكون تلاؤمه تلاؤمًا واعيًا علميًا خلاقًا بقدر مستوى عصره لا انقيادًا ولا تقليدًا أو اتباعًا. وأن يكون نشاطه نشاطًا واعيًا بالواقع وعناصر حركته، وواعيًا بقوانينه، وواعيًا بأهدافه هو وبتغييره الإرادي الهادف للواقع، وهكذا يتجاوز المستوى البيولوجي والحيواني، أو القطيعي.
معالم على الطريق:
إن عصور التقدم والازدهار الحضاري هي عصور الحرية. خطوة نحو مزيد من حرية الفرد والجماعة. وانطلاق الفكر، فكر المجتمع الذي هو حصيلة جهود إبداع أبنائه، وانتقال المجتمع إلى صعيد جديد في السيطرة والسيادة أما عصور التخلف والتحلل المفضي إلى الاندثار فهي عصور القمع والتسلط والجمود حتى إن الإمبراطوريات التي تكونت في ظل القمع والتسلط هي إمبراطوريات عسكرية لم يقدر لها أن تعيش طويلًا، حياتها رهن السلاح المصلت على الرقاب ووأد الفكر وخرس اللسان. ولكن سرعان ما يهن السلاح، ويضعف صاحبه، وتصدق الحكمة الصينية القائلة:"إنك لا تستطيع أن تحكم شعبًا من فوق صهوة جوادك طويلًا"