والديموقراطية بهذا المعنى ليست مفهومًا سياسيًا خالصًا كما يظن البعض بحيث نختزلها في شعارات؛ بل هي مفهوم مجتمعي، بمعنى أنها تعبير ونتاج مستوى تطوري حضاري للمجتمع شاملًا كل مقومات البنية المجتمعية. ولعل الأصوب أن نقول مجتمع ديموقراطي لا ان نردد مصطلح الديموقراطية كصفة مجردة. والمجتمع الديموقراطي هو مجتمع مدني نشأت بداياته مع عصر الصناعة؛ أي مع تحول المجتمع الغربي حضاريًا، وهو تحول وليد صراع، وكذا تطور الحقوق وليد صراعات متوالية. والمجتمع الديموقراطي هو مجتمع مدني، وحقوق الناس فيه هي المسماة الحقوق المدنية. وفكرة المجتمع المدني تعني أن المجتمع ليس كما ظن وصوره رجال الدين من أهل السلف كيانًا روحيًا وتجليًا لإرادة إلهية؛ بل كيان مادي حقيقي يمكن للفهم الإنساني أن يدركه، وبهذا يكون العقل مصدر التشريع. وترتب على هذا الفهم الجديد القول بالمواطنة نظرًا لأن المجتمع المدني ثمرة العقد الاجتماعي والتمثيل النيابي تعبيرًا عدا إرادة الفرد في شؤون الدنيا؛ أي فعالية إرادة الإنسان في الوجود المادي لا الروحي، وفعالية إرادة الفرد في التفويض؛ تفويض السلطة للحاكم، لا بيعة صفوة، ومن ثم تكون الإرادة أو العقل مصدر التشريع والتفويض؛ إرادة وعقل الكافة وليست الشرعية التراثية حسب تأويل الخاصة من رجال الدين هي أساس التفويض في الحكم (1) . ويتضمن مفهوم المجتمع الديموقراطي أو المدني، كمفهوم حديث، المعاملة المتساوية بين أبناء المجتمع وفقًا للقانون المدني. ويعتبر هذا الفهم حجر الزاوية لأن مجتمع حر، حرية شاملة الفرد والمجتمع في تداخل مشترك؛ إذ يحمي المجتمع بذلك الحرية الفردية لمواطنيه، وتكون حرية المجتمع سياجًا ومظلة للحرية الفردية ومكونًا من ثقافته.
(1) 1 ـ أنظر: برتران بادي؛ الدولتان ـ السلطة والمجتمع في الغرب وفي بلاد الإسلام. ترجمة لطيف فرج ـ دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع ـ القاهرة 1992.