والجانب الإيجابي هو الذي تطورت في اتجاهه الحرية؛ بمعنى أنه مؤشر ودالة على تطور المضمون. ويشمل عديدًا من الحقوق السياسية الأساسية التي برزت وتباينت وتعددت مع الزمن، ولا تزال. ونذكر منها: حق الاقتراع، وحق العمل، وحق تعريف الهوية والتعبير عنها، وحق المشاركة في صنع القرار، وحق المرء في الارتباط مع من يشاركه الرأي أو المصلحة في تنظيم حزبي أو رابطة أو اتحاد، وحق انتقاد السلطة وتداولها، وحق الاعتقاد والتمرد على العقيدة، وحق تقرير المصير واختيار المستقبل الخ. ويركز هذا الجانب الإيجابي على الإيمان بأن الحرية غير المحدودة الطلقة بمعناها الرومانسي تقضي إلى الفوضوية والى نفي القانون الاجتماعي، أو كما يقال مجازًا: سيادة قانون الغابة؛ حيث الغلبة للأقوى بينما القاعدة أنه:"حيث يوجد مجتمع يوجد القانون".
والجدير بالذكر أنه مع كل نقلة حضارية يجري إبراز مظاهر السلب، وتسود الدعوة إلى إسقاط قيود، ونفي مفاهيم تمهيدًا لجانب إيجابي جديد على نحو ما حدث منذ القرن 16 في أوروبا، تمهيدًا لحقبة الحضارة الصناعية؛ إذ كان ينظر إلى الحرية أساسًا من جانبها السلبي كشيء معارض أو ضد قيود التسلط في الدين أو الحكم أو الاقتصاد. إنها حق متكافئ للجميع في رفض التسلط والقهر والتحكم. وهذا هو مضمون الفلسفة الفردية التي وجدت أدل تعبير لها في عصر النهضة والإصلاح. وهي غير الليبرالية بمعناها الكلاسيكي الذي يعني أقل قدر من تدخل السلطة الحاكمة في شؤون الفرد، وهو التعبير السياسي للمفهوم السلبي عن الحرية. والليبرالية تركز على قيمة الفردية ضد ضغوط الجماعة، ومن ثم تعارض ضغط أو قهر الغالبية.
وهي بهذا تختلف عن الديموقراطية؛ وإن احتفظت بعلاقة مشتركة معها، حيث تؤكد الديموقراطية على المساواة بين الناس، وأن لكل حق المشاركة في حكم الجماعة دون امتيازات بسبب عقيدة دينية وباعتبار المواطنين متعاقدين أكفاء متساوين اجتماعيًا.