والجدير بالملاحظة, على سبيل المقارنة بين محتوى ونطاق مقتضى مفهوم الحرية في عصرين حضاريين ,ان حرية أو حق المعرفة , والحرية السياسية أو حق المشاركة في إدارة شؤون المجتمع , كانا كمثال محصورين قبل عصر الحضارة الصناعية في نطاق العقيدة والسلطة الأبوية التي يمثلها شيخ القبيلة أو المؤسسة الدينية, إذ يجمع الحاكم بين السلطتين. لم تكن المعرفة حقًا للإنسان العام إلا في حدود ما يلقنه له فقهاء الدين ,أي المعرفة في حدود العقيدة الدينية. وحرية الإنسان هي أن يعرف أصول عقيدته وممارسته لشعائرها، ولا شيء آخر. والبحث عن الحقيقة بحث في نطاق العقيدة؛ لأن الحقيقة هي حقيقة دينية. معنى هذا: في التطبيق العملي تقييد الحرية خارج هذا النطاق. ولم يكن غريبًا أن اتجهت النزعات الأصولية أو الحرفية النصية إلى مناهضة أو تحريم وتجريم"العلوم العقلية"إلا في حدود دعم العقيدة والأيديولوجية السائدة. وظلت"العلوم العقلية"موضع اتهام ومصدر توجس، وأن الأمان في تكبيل حرية العقل وعدم جواز الخروج على إجماع علماء الدين باعتبار هذا هو القاعدة. وامتدّ هذا التحريم إلى العلوم الطبيعية إذا ما تعارضت مع العقيدة، دون اعتبارها مجالًا معرفيًا مستقلًاَ. وصاغت المجتمعات الأبوية؛ السابقة على الحضارة الصناعية، أيديولوجيات في صورة ثقافات اجتماعية تبرر هذا المحتوى لمفهوم الحرية الذي ترسخ في النفوس في صورة عقيدة قدسية.