فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 290

والفعل الحر حسب مقتضى هذا الوضع نابع من الذات في التزام صادق بحدود رسمتها قوة خارقة خارج الذات. والحرية؛ حسب هذا الإطار هي فضيلة باطنية، ومسؤولية ضميرية، وسيلتها ليس التحرر من عوائق دنيوية تحقيقًا لأهداف حياتية؛ بل وسيلتها التحرر من الشهوات، والتطهر النفسي، والتسامي الروحي، ومن ثم تركز على الأمور النفسية ـ ويرى المرء المعاناة الدنيوية من قهر واستبداد ومجاعات نوعًا من الابتلاء؛ علتها خارج الوجود، وأمور الدنيا موكولة إلى ولي الأمر. ومثل هذه الحرية تحفز إلى التوحد والانعزال عن المجتمع والابتعاد عن الموقف المسؤول، والانصراف عن صناعة المستقبل الدنيوي إلى مستقبل أخروي. إن الحرية هنا التزام بين المرء ونفسه في حدود الولاء فقط للعقيدة ولولي الأمر.

ويغدو الإنسان الحر هو الملتزم بحدود هذه القوة التي تشكل النسق العقيدى. ولهذا اعتاد الإنسان قديمًا؛ اتساقًا مع هذا الإطار المعرفى ـ القيمي، أن يلتمس حريته في عبوديته التي تعفيه مؤنة المعاناة النفسية، حتى وإن تكبد راضيًا في سبيل ذلك شقاء بدنيًا. وأسلم مصيره وذاته ووجوده هبة مجانية لمن هو أقوى وأعز سلطانًا (شيخ القبيلة أو الحاكم المطلق) ، وهؤلاء جميعًا أحرار ومسؤولون فقط أمام ملك الملك. إنه يرى حريته في عبوديته لعل في هذا ما يكفل له خلاصًا ونعيمًا؛ تماماًَ مثلما كان يلتمس في رقية أو تعويذة تحررًا وخلاصاًَ من شقاء المرض، أو من أزمة حياتية، فيطمئن نفسًا وشعاره في حياته: ليس لي من الأمر شيء. أي أنه أسقط كل ما تعارفنا عليه و استجد في عصرنا باسم حقوق الإنسان التي كانت قديمًا غير ذات مدلول إن حريته هي تحرره من الخوف ومن غضب كل قوي جبار. وحرية الإنسان هنا أشبه بعقد إذعان ولا خلاص إلا بإنفاذ بنوده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت