فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 290

والمتأمل للمسيرة التاريخية للوجود الإنساني يجد أن حرية تقرير المصير وتنمية الإمكانات الإبداعية (للفرد/ المجتمع) في إطار معرفى ـ قيمي مميز، هما ركيزة الحفاظ على الذات وبقاء النوع وتطوره؛ ومن ثم هي المحور والغاية المحركة للتطور الحضارى، والمعلم المميز للإنسان، وعلة التجديد والتغيير. تمثلت الحرية قديمًا كمشكلة تأملية في موقف الإنسان من البيئة ومن القدر أو من سلطة الطبيعة وما وراءها. ولكن العصر الحديث؛ عصر العقل العلمي والحضارة الصناعية، شهد مع التحول البنيوي للمجتمعات بفعل الثورة العلمية والتكنولوجية بداية صراع فلسفي جديد ومتطور دائمًا بشأن الحرية حرية الفرد: إزاء سلطة السياسة الحاكمة أو الدولة حرية العقل الإنساني كأداة تحرير، وباعتباره إرادة حرة الفعل في إطار الضرورة الطبيعية. أخذت مشكلة الحرية أبعادًا جديدة تتعلق بموقف الفرد أو (الإنسان/ المجتمع) اكتسبت إضافة جديدة على المستويين الفردي والمجتمعي، ومن حيث المحتوى في علاقة الإنسان بالآخر: الطبيعة وما وراءها؛ إذ أصبح الآخر يعني الدولة أو السلطة السياسية كحيز دنيوي وشأنًا من شؤون الإنسان. ولم يعد مبحث الحرية منصبًا على الفعل الإنساني إزاء القدر (الجبر والاختيار) ؛ بل منصبًا على العقل الإنساني والمعرفة باعتبارهما أداة تحرير، وقوة تطوير وتحقيق للذات. ولم يعد فهم الإنسان هنا: الإنسان المجرد؛ بل الإنسان العام أو العادي عقل الإنسان العالم، وليس عقل الصفوة أو النخبة أيًا كانت مسمياتهم: حكماء أم فلاسفة أم فقهاء؛ فالمعرفة حق للجميع والعقل ملكة سواء، والحل والعقد شأن الجميع شرط الخبرة والمعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت