والحرية قيمة أنطولوجية من حيث هي فعل نشط هادف إلى تغيير الشروط الوجودية لحياة وعلاقات الإنسان/ المجتمع؛ أي تغيير البيئة التي تجرى في إطارها الحياة وتنعكس في صورة معارف وقيم محدودة للسلوك وهذا الفعل الحر هو تحقق تاريخي لوجود الإنسان، وهو علة إنسانية لهذا الوجود وتطوره الحضارى. إن الحرية بهذا المعنى قرين الطبيعة البشرية وصورة الإنسان وموقف منه من حيث هو قيمة في ذاته؛ أي من حث هو فعل مستقل عن أي قوى خارج نطاق وجوده الفاعل. وهي بهذا نقيض الجبرية التي تجعل الفعل الحر خارج الإنسان، وأن التحديد العليِّ مرده إلى علة كونية شاملة تصادر على حرية الإرادة.
وحيث إن الحرية فعل فإنها قيمة أخلاقية أيضًا، وبذا لا تكون فضيلة باطنية ضميرية تبرر التوحد والابتعاد عن المواقف بل هي موقف، أو هي الإنسان الموقف. والمشروع الوجودي رهن الاختيار والالتزام والمسؤولية لبناء حاضر تأسيسًا لمستقبل.
الحرية والتطور الحضاري:
إن التحولات الكبرى في التاريخ التي تمثل معلمًا فاصلًا ومميزًا في تاريخ التطور الحضاري تقترن دائمًا بصياغة إطار معرفي ـ قيمي جديد، ومنهج في التفكير جديد بحيث نقول إن صورة الكون تغيرت. ويشتمل هذا الإطار المعرفي القيمي على صياغة رؤية جديدة لعلاقة الإنسان بالكون الذي يعيش فيه، ولعلاقات الناس ببعضهم ودورهم في الحياة. وتبرز قضية الحرية في سياق جديد ومفهوم جديد باعتبارها مكونًا أساسيًا من مكونات ثقافة المجتمع وتعبيرًا عن هذا التطور الحضاري بما اشتمل عليه من مستجدات، ومساحة حركة لفكر وسلوك الإنسان.