وتكشف هذه الحرية في الفعل وفي غياب كل من القسر والاطراد العشوائي عن قدرة وأهلية الإنسان على تأصيل أفعاله؛ أعني أن يعيش حياة الأصالة دائما؛ وهي أن ينشئ انطلاقًا من ذاته ومن ظروفه المعنوية والمادية، أي يبدع في سياق حر عملًا من أعمال الوعي متمثلًا في فكر مجرد وانجاز مادي يعبران معًا عن الوجود من حوله ومقتضياته من سلوك ملائم. فالذات الاجتماعية الأصيلة هي وحدها مصدر الفعل الحر، وهي دائمًا؛ وبسبب هذه الأصالة، متجددة دومًا تشذ عن اطراد التماثل، وإنما تنزع إلى اطراد الارتقاء الذي يستوعب الماضى ويتجاوزه. ولهذا يمكن أن نقول: إن التاريخ؛ بمعنى من المعاني، هو صناعة الإنسان/ المجتمع لأنه محصلة الفعل الاجتماعي الحر، فهذا وحده هو الفعل الإبداعي، وليس التاريخ محصلة اطراد عفوي متماثل. إن التقليد أو التطابق مع السابق، أو محاكاة الماضي لا يصنع تاريخًا ولا يمثل أصالة. وهذا على نقيض من يرون الأصالة في اطراد الحياة أُسوة بحياة السلف فكرًا وسلوكًا؛ فهؤلاء يدعون إلى حياة أشبه بحياة الكائنات الأدنى اطرادًا عشوائيًا قياسًا على الماضي، وعجزًا عن الإبداع؛ أو بمعنى آخر حياة تعطل إنسانية الإنسان المجدد في إطار الوعي الحر اطرادًا للانهيار الحضاري ولا تجديد؛ وإنما الحياة نص مكرور.