وتهيأت للإنسان بفضل هذا الجهاز العصبي الراقي في تطوره، وبفضل الفعل والتفاعل الاجتماعيين، درجة عالية من الحرية أو التحرر من القوى الخارجية والدوافع الطبيعية الأدنى مستوى، وتهيأ له كذلك رصيد من المفاهيم تلخص رؤيته ونهجه، وقابلة للتطور والتكيف، وبذلك لم يعد وجود الإنسان وضعًا طبيعيًا مفروضًا مثل الجوامد، وليس اطرادًا بيولوجيًا محضا وعشوائيًا شأن الحيوانات، ولكنه جامع بين امتداد بيولوجى، وبين فعل إرادى أو عقلي على تحديد موقف الذات، التي هي ذات اجتماعية، وتنظيم جهده للحاضر والمستقبل إزاء ما يحيط به وما يرثه من أفكار أو وجود حضارى مادي وفكري. وبذا يكون كيانًا ديناميا يتعامل مع العالم المتجدد من خلال وعي عقلاني متجدد تستشيره، ولا عاجزًا عن صياغة تصور ذهنى للواقع؛ بل قادرًا على الفعل، وقادرًا على الاحجام أيضًا عن الفعل وفق إرادته وحساباته ومن ثم يكون الاختيار موقفًا يتخذه الإنسان في متصل يربط بين بؤرة ذهنية مفاهيمية واعية وحافزة للعمل النشط، وبين موقف اللامبالاة التامة من العالم. وحسب هذا التصور تكون الحرية حركة في إطار معنى للحياة يضفيه الإنسان على الوجود، أو كما يقال: الحرية أبدًا محكوم عليها أن تجد معنى للعالم ولحياة الإنسان؛ ممارسة لحريته في هذه الحدود وفعل الإنسان إقداما وإحجاما هو اختيار بين بدائل. اختيار ينطوي على تخطيط وتحليل وتفكير وتقييم. ويجري هذا كله في إطار مفترض من الحرية التي هي غياب لأسباب سلبية؛ أعني غيابًا لعوامل القسر والقهر المصطنعة اجتماعيا في صورتها المادية أو المعنوية، وفرصة لإعمال العقل أو الوعي دون إكراه لاختيار الفعل المناسب.