وغضبه، وجدّه وهزله، وبيانه وحكمه، صادق مع القريب والبعيد، والصديق والعدو، والرجل والمرأة، صادق في نفسه ومع الناس، في حضره وسفره، وحلّه وإقامته، ومحاربته ومصالحته، وبيعه وشرائه، وعقوده وعهوده ومواثيقه، وخطبه ورسائله، وفتاويه وقصصه، وقوله ونقله، وروايته ودرايته، بل معصوم من أن يكذب، فالله مانعه وحاميه من هذا الخلق المشين، قد أقام لسانه وسدّد لفظه، وأصلح نطقه وقوّم حديثه، فهو الصادق المصدوق، الذي لم يحفظ له حرف واحد غير صادق فيه، ولا كلمة واحدة خلاف الحق، ولم يخالف ظاهره باطنه، بل حتى كان صادقا في لحظاته ولفظاته وإشارات عينيه،
وهو الذي يقول: {ما كان لنبي أن تكون له خائنة أعين} «أخرجه أبو داود والنسائي» ، وذلك لما قال له أصحابه: ألا أشرت لنا بعينك في قتل الأسير؟! بل هو الذي جاء بالصدق من عند ربه، فكلامه صدق وسنّته صدق، ورضاه صدق وغضبه صدق، ومدخله صدق ومخرجه صدق، وضحكه صدق وبكاؤه صدق، ويقظته صدق ومنامه صدق {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} {الأحزاب:8} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين} {التوبة:119} {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} {محمد:21}
فهو - صلى الله عليه وسلم - صادق مع ربه، صادق مع نفسه، صادق مع الناس، صادق مع
أهله، صادق مع أعدائه، فلو كان الصدق رجلًا لكان محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وهل يُتعلم الصدق إلا منه بأبي هو وأمى؟ وهل ينقل الصدق إلا عنه بنفسي هو؟ فهو الصادق الأمين في الجاهلية قبل الإسلام والرسالة.
فعندما أمره الله تعالى بإظهار دعوته وقف - صلى الله عليه وسلم - على جبل الصفا و جعل ينادى بطون قريش فلما اجتمعوا قال: {أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِىَّ؟} . قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا ..