الألباني» والمقسط أي: العادل، وذكر أن سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وعد منهم الإمام العادل، وقال إن المقسطين على منابرٍ من نور يوم القيامة، وبين أنهم الذين يعدلون في حكمهم وما ولوا.
ولذا كان - صلى الله عليه وسلم - عادلًا في قوله وفعله وحكمه، لا يجور ولا يحيف، وكان العدل من أخلاقه وأوصافه اللازمة له، فقد عُرف به في الجاهلية قبل الإسلام.
وهذه مواقف له - صلى الله عليه وسلم - يتجلى فيها هذا الخلق النبوي الكريم وهي:
لما سرقت المخزوميّة، وشق على المسلمين إقامة الحد عليها فتقطع يدها فتوسطوا له بحبّه وابن حبّه أسامة بن زيد فرفع إليه القضية، فقال أتشفع في حدٍ من حدود الله يا أسامة؟ والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ... «متفق عليه» فكان هذا مظهرًا عظيمًا للعدل المحمدي.
وقوله للأعرابي الذي قال له: اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله {ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟! خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل} ... «رواه البخاري ومسلم» .
وفي الطعام والشراب كان يقول - صلى الله عليه وسلم - {ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولابد فاعلًا، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس} «رواه الترمذى» .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقسم وقته ثلاثة أجزاء: جزءًا لربه تعالى، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ويقسم الجزء الذي لنفسه بينه وبين الناس. وهكذا يتجلى خلق العدل في الحبيب - صلى الله عليه وسلم - بصورةٍ واضحة، يدعو كلّ مؤمن إلى التّخَلُّق به ائتساءً به - صلى الله عليه وسلم - وهو أسوة كل مؤمن ومؤمنة في هذه الحياة.
ويظهر هذا الخلق العظيم منه - صلى الله عليه وسلم - في أبهى صورة، عندما يطلب ممن ظن أنه أخطأ في حقه، أن يستوفي حقه، بالقود منه، فعن أبي سعيد الخدري قال: {بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم شيئا، أقبل رجل فأكب عليه، فطعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرجون كان معه، فخرج الرجل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعال فاستقد، قال: بل قد عفوت يا رسول الله} «رواه النسائي» .
والعدل ملازم للرسول - صلى الله عليه وسلم - في حله وترحاله، فهو يكره التميز على أصحابه، بل يحب العدل والمساواة، وتحمل المشاق والمتاعب مثلهم، فعن عبد الله بن مسعود قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: {وكانت عقبة -دور- رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: نحن نمشي عنك، فقال: ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما} «رواه أحمد في مسنده» .
ولم ينشغل - صلى الله عليه وسلم - بالدولة وقيادتها، والغزوات وكثرتها، عن ممارسة العدل في نطاق الأسرة الكريمة، وبين زوجاته أمهات المؤمنين، فقد كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: {اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك} «رواه الترمذي» ومعنى قوله لا تلمني فيما تملك ولا أملك، أي الحب والمودة القلبية.
صدقه صلى الله عليه وسلم
فهو أصدق من تكلم، كلامه حق وصدق وعدل، لم يعرف الكذب في حياته جادّا أو مازحا، بل حرّم الكذب وذمّ أهله ونهى عنه، ... وقال - صلى الله عليه وسلم - {إنّ الصدق يهدي الى البر، وإن البرّ يهدي الى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا } ... «رواه البخاري ومسلم» .
وأخبر ان المؤمن قد يبخل وقد يجبن، لكنه لا يكذب أبدا، وحذر من الكذب في المزاح لإضحاك القوم، فعاش - صلى الله عليه وسلم - والصدق حبيبه وصاحبه، ويكفيه صدقا - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر عن الله بعلم الغيب، وائتمنه الله على الرسالة، فأداها للأمة كاملة تامة، لم ينقص حرفا ولم يزد حرفا، وبلّغ الأمانة عن ربه بأتمّ البلاغ، فكل قوله وعمله وحاله مبني على الصدق، فهو صادق في سلمه وحربه، ورضاه