الصفحة 40 من 220

كان - صلى الله عليه وسلم - يوفِّي بها على الوجه الأكمل لأنها بيده، لكن القلب بيد الله، وقد جعل فيه حب عائشة أكثر من غيرها، وذلك خارج عن قدرته وإرادته؛ ومع ذلك فهو يضرع إلى الله أن لا يلومه على ما ليس بيده، مع أن الأمر القلبي لا يجب العدل فيه، وإنما العدل في المبيت والنفقة، ولكن هذا من باب قول الله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} {المؤمنون: 60} .مما يدل على أن أمر العدل بين الزوجات خطير كما بينه - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر حيث قال: {من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشِقه ساقط"وفي رواية مائل"} «رواه أبو داود وغيره» .

وفي عشرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه أسوة للمؤمنين، وعليهم معرفتها والتأسي بها لقول الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} {الأحزاب: 21} لأن فعله - صلى الله عليه وسلم - كقوله وتقريره، تشريع لأمته، وهدى لهم، يجب عليهم الاقتداء به ما لم يكن الفعل خاصًا به؛ ولقد حث - صلى الله عليه وسلم - الرجال على حسن معاشرة أزواجهم؛ ودلهم إلى ما تنبغي أن تكون عليه العشرة الزوجية بقوله، كما دلهم على ذلك بفعله، والثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب أحاديث كثيرة أقتطف منها ما يأتي من ذلك:

** ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: {استوصوا بالنساء خيرًا فإن المرأة خلقت من ضِلَع، وإن أعوج ما في الضِّلَع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا} . وفي رواية عند مسلم: {وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها}

فانظر كيف جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الوصية بهنَّ وبيان حقيقتهن، ليكون ذلك أدعى إلى قبول وصيته، لأنه إذا كان طبعها العوج، فإن من الواجب على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت