استمرت قريش بعد وفاة زعيمها قصي بن كلاب على نفس المنهج الذي رسمه لها في أمر كسوة الكعبة المشرفة حيث رأت أن ذلك واجبًا عليها ينبغي القيام به خير قيام فضلًا عن أن ذلك يزيد جمال الكعبة وعظمتها بين الأمم ، فيزيد احترامها ويرتفع شأنها وكان لنظام الرفادة في كسوة الكعبة أثره البالغ في تخفيف عبء النفقات عن كاهل قريش ، كذلك أصبحت جميع القبائل تشعر بالمسؤولية تجاه الكعبة وحرمتها وتعظيمها وبالتالي احترام ولاتها .
وقَسّم قصي بن كلاب قبيل وفاته أمور مكة بين ولديه عبد الدار وعبد مناف ، فأعطى عبد الدار الحجابة والندوة واللواء ، وأعطى عبدمناف السقاية والرفادة والقيادة .
وقد ظلت في يدهم حتى فتح مكة فتولاها المسلمون بأنفسهم سوى الحجابة (1) فقد بقيت في يد بني عبد الدار بعد ذلك واستمرت طوال العصور الإسلامية وحتى الوقت الحاضر والمعروفين لدى أهل مكة والمسلمين جميعًا بآل الشيبي (2) .
الفصل الرابع
الكسوة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -
لم يكن في وسع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في قدرة أصحابه المسلمين أن يكسوا الكعبة التي كانت تحت سيطرة المشركين قبل فتح مكة ، وكانوا لا يتركون المسلمين ورسولهم الكريم أن يقوموا بالعبادة بين يدي الكعبة ، بل كانوا يعذبون المسلمين بصنوف من العذاب وبلغ من اضطهادهم للمسلمين مبلغًا لم يؤثر في تاريخ الديانات إلا نادرًا . فمن الطبيعي أنهم لم يكسوا الكعبة في هذه الفترة ، ولم يشاركوا في كسوتها ، وكانت الكسوة خلال هذه السنوات مما يقدمه غير المسلمين الممنوعين من دخول مكة ، فلما فتح الله مكة على يد رسوله الكريم الرؤوف الرحيم لم يغير - صلى الله عليه وسلم - الكسوة ، بل تركها على حالها .
(1) ... الحجابة: وهي سدانة الكعبة .
(2) ... كسوة الكعبة للمؤذن نقلًا عن تاريخ مكة للأزرقي 1/131 - 132، واللَّفظ للمؤذن .