وقال - تعالى - في سورة المائدة: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إلهٍ إلاّ إلهٌ واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم} (73) . والنّصارى حكم الله بكفرهم مع أنهم خصَّصوا حلول الله في مخلوقاته واتّحاده معها بعيسى وأمِّه فكيف بمن قال إن الله يتّحد بكلّ من بلغ رتبة الولي، فتبيَّن أن قول الصوفية أخبث وأشنع من قول النّصارى وأشدّ كفرًا من كفرهم.
والمتصوِّفة الذين يقولون هذا القول قد يقولون إنّا لسنا كفارًا لأنا لا نقول الأولياء هم أبناء الله، أو هم الله. وهذا الاعتراض ردُّهُ من وجهين:
الأول: أنّ النّصارى يقولون إن الله حلّ في عيسى وأمِّه كحلول الماء في الإناء وهم النسطوريّة من النّصارى. وبعضهم يقولون اتّحد معهما كاتحاد الماء واللبن وهو قول اليعقوبية من النّصارى، والمتصوفة الحلولية الاتحادية يقولون كذلك إن الله يحلُّ في الصالحين كحلول الماء في الإناء وبعضهم يقولون إن الله يتَّحد مع الصالحين كاتّحاد الماء مع اللبن والخمر، كما قال الحلاج: (مُزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال) . وقال عبيد الله أحرار النقشبندى: (إن العارف من فنيت ذاته وصفاته في ذاته تعالى فلم يبق له اسم ولا رسم) . فتبيَّن أن الصوفية القائلين بالحلول والإتحاد هم تمامًا كالنّصارى القائلين بأن الله اتخذ ولدًا أو أن الله ثالث ثلاثة. فدل هذا على أن حكمهم واحد؛ لأنه من المعلوم أن التسمية لا تُغيِّر من الحقائق شيئًا.