وطوافهم بالبيت العتيق وتقبيلهم للحجر الأسود، ورميهم الجمار، كل هذه المظاهر الرائعة أمثلة حية لتحقيق حجاج لبيت الله الحرام الانقياد لشرع الله تعالى، وقبول حكم الله بكل انشراح صدر وطمأنينة قلب من غير سؤال عن حكمة ذلك، والتعنت فيه، ولا ريب أن هذا كله يؤدي بالعبد إلى تحقيق توحيد الله والاستسلام له تعالى وحده.
قال ابن القيم «إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع» وانظر إلى التسليم الخالص والانقياد التام عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد جاء في الصحيحين أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري معلقًا على كلام عمر هذا «وفي قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي فيما يفعله، ولولم يعلم الحكم فيه، وفيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته» فتح الباري ج3 ص584
وقال النووي رحمه الله: قوله: «أنك حجر لا تضر ولا تنفع» إنما قال ذلك لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام، الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها رجاء نفعها، وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها» نعم إن الطائف حين يستلم الحجر الأسود والركن اليماني ويطوف بالكعبة ويسعى بين الصفا والمروة ويرمي الجمار، وإنما يفعل ذلك استسلامًا لله، وانقيادًا لأمره، وإقامةً لذكره، واقتداءً برسوله - صلى الله عليه وسلم -، كما روى الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» .
خامسًا: قراءة آيات التوحيد: