الصفحة 40 من 69

ومن كذب في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لم نقبل منه دعواه التوبة فيما بيننا وبينه، وأما ما بينه وبين الله فهذا أمر آخر، فالكافر والمشرك تقبل توبتهما عند الله فضلا عن الكاذب، وأما نحن فنعامله معاملة الزنديق، في عدم تصديقه في دعواه التوبة [1] .اهـ

• وثمة مسألة مهمة نوردها:

أنه تقدم لنا في المبحث الأول من الفصل الأول، أن آية الحجرات دلّت بفحواها على أن خبر الثقة الأصل فيه القبول.

وهنا نقول ودلّت بمنطوقها - وهو الأصل- على أن خبر الفاسق يتوقف فيه ويتبين من حاله، فإن احتف بخبره ما يدل على صدقه قبل، لا لذاته بل لغيره، وفي هذا رد على من جعل خبرَ الفاسق مردودا مطلقا، لا تنفع فيه المتابعات ولا الشواهد.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عند كلامه على آية الحجرات: (وهاهنا فائدة لطيفة: وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملة، وإنما أمر بالتبيّن، فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه، عمل بدليل الصدق، ولو أخبر به من أخبر، فهكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته، وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم وروايتهم وشهادتهم، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري، وفسقه من جهات أُخَر، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته، لتعطلت أكثر الحقوق، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة، ولاسيما مَن فسقه من جهة الاعتقاد والرأي وهو متحرّ للصدق، فهذا لا يرد خبره ولا شهادته، وأما من فسقه من جهة الكذب وتكرّر، بحيث يغلب

(1) من محاضرة مادة علوم الحديث في السنة المنهجية لطلاّب مرحلة الماجستير لعام 1427 ـ 1428 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت