قلت: توجيه السيوطي رحمه الله جيّد، إلاّ أن ما تعقّب به العراقيُ الخطابيَّ يبقى واردا، وينسحب على من اكتفى من أصحاب الكتب المصنّفة في صحيح السنّة بذكر العدالة في عنوان كتابه دون التعديل، ولهذا أحسن ما يجاب به عن العراقي، ما قرّره شيخنا حفظه الله في العنوان الصحيح للكتاب: أن العدل في إطلاق أئمة النقد يقصد به الثقة عند المتأخرين أي من جمع العدالة والضبط معا.
قال: (واقتصار الإمام مسلم بوصف(العدل) دون (الثقة) ، يدلّ على أن المحدّثين إذا وصفوا الرّاوي بأنه عدل، فالأصل أنهم يقصدون بذلك أنه اجتمعت فيه العدالة في الدين، والعدالة في الرّواية، أي أنه ثقة: عدل ضابط، وهذا يعني أن العدل في إطلاق المحدّثين هو: العدل في الرّواية، والعدل في الرّواية هو: الثقة، وهذا التقرير الذي استفدناه من اسم كتاب مسلم (ومن غيره) خلاف ما قرّره السخاوي (ت902هـ) في فتح المغيث) [1] .
ويشهد لما قرّه شيخنا كلام ابن حبان رحمه الله في مقدمة كتابه الثقات عند كلامه عن الرواة الذين ذكرهم في هذا الكتاب، فقال:
فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها [2] ، فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره، لأن العدل من لم يفرف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يعلم يجرح فهو عدل، إذا لم يبين ضده إذ لم يكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم [3] .
(1) العنوان الصحيح للكتاب ص (53) .
(2) سيأتي ذكرها عند الكلام على تعريف ابن حبان للحديث الصحيح.
(3) الثقات (1/ 13) .