رأس المال هو محلُّ عمل المضارب، والأموال تختلفُ اختلافًا بيّنًا ظاهرًا في صفاتها؛ لذلك اشترط الفقهاء في رأس المال شروطًا يلزم تحققها، وهي:
أن يكون نقدًا من الدراهم والدنانير، وأن يكون معلومًا، وأن يكون عينًا، وتسليمُ رأس المال إلى العامل، وسنعرِضُ لكلٍّ منها باختصارٍ -بإذنِ الله تعالى-.
المطلب الأول: كون رأس المال من الدراهم والدنانير:
وقد أجمع الفقهاء - في الجملة- على أنه يجوز أن يكون رأس مال المضاربة، قال ابن رشد:"اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير والدراهم واختلفوا في غير ذلك" ( ) .
واستدل بعض الشافعيّة عليه بـ:
1.... الإجماع -كما نقله الجويني من الشافعية-.
2.... إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - -كما قال غيره منهم-.
قال الشربيني:" (ويشترط لصحته كون المال) فيه (دراهم أو دنانير خالصة) بالإجماع كما نقله الجويني، وقال في الروضة: بإجماع الصحابة" ( ) .
وعندَ الحنابلة: لا خلاف في أنه يجوز جعلُ رأس المال من الدراهم والدنانير، قال ابنُ قدامة:"وما جاز أن يكون رأس مال الشركة جاز أن يكون رأس مال المضاربة" ( ) .
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-:"لا تكون المضاربة إلا بالدراهم والدنانير"، وهو قول أبي يوسف -رحمه الله-، وعلّلَ السرخسي ذلك بأنَّ ما يحصلُ للمضارب فيها يكون ربحَ ما قد ضمن، بخلاف العروض؛ لأنها أمانة في يده، وتتعيّن بالتعيين ( ) .
قال الكاساني:"وَأَمَّا الذي يَرْجِعُ إلَى رَأْسِ الْمَالِ فَأَنْوَاعٌ منها: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ من الدَّرَاهِمِ أو الدَّنَانِيرِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ" ( ) .
قال مَالِكٌ:"لاَ يَصْلُحُ الْقِرَاضُ إلا في الْعَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ وَلاَ يَكُونُ في شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ…" ( ) .
وما سبق في اشتراط الفقهاء كونُ رأس المال من الدراهم والدنانير، وأما حُكْمُ جعلِ مال المضاربة من العروض، فإليك بيانها: