ويتفق المالكية مع الجماهير فيما إذا لم يشرع العامل في القراض -كما سبقَ-، ويُخالفون الجماهير بعد شروع العامل في العمل، فيرون أنه عقد لازمٌ حيئذٍ ( ) ، كما أنهم يذهبون إلى أنه عقد يُورث؛ ارتكابًا لأخف الضررين، فإن مات المقارِضُ وكان له بنون أُمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإنْ لم يكونوا أُمناء كانَ عليهم أنْ يأتوا بأمين.
والجماهير على أنه عقد يبطل بموت أحدهما فلا يُورث ( ) .
الراجح: والله أعلم هو القول بأنَّ عقد المضاربة يبطل بموت أحد المتعاقدين، ولا يورث؛ لأنَّ عطاءَ ربِّ المالِ المالَ للمضارب متضمنٌ رضاه عن تصرفه، دون رضاه عن تصرف غيره، فكيف يلزم ربُّ المال بقبول تصرف من لمْ يرضَ به؟! ( ) .
المطلب الرابع: يد المضارب بين الأمانة ( ) والضمان ( ) :
لا خلاف بين الفقهاء في أنَّ المضارب أمينٌ، وأنَّ رأس المال أمانة في يده، قال ابن المنذر:"أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول العامل في قدر رأس المال" ( ) ؛ وذلك لأنه أمين.
قال الكاساني- من الحنفية-:"رَأْسَ الْمَالِ قبل أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُضَارِبُ بِهِ شيئا أَمَانَةٌ في يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ" ( ) .
قال ابن عبدالبر - من المالكيَّة-:"والمقارض أمين مقبول قوله فيما يدعيه من ضياع المال وذهابه والخسارة فيه" ( ) .
قال الشربيني - من الشافعيّة-:"القول في ضمان مال القراض ولا ضمان على العامل بتلف المال أو بعضه؛ لأنه أمين فلا يضمن إلا بعدوان منه" ( ) .
قال الغزالي الشافعيُّ:"إذا تنازعا في تلف المال فالقول قول العامل؛ لأنه أمين ما لم يتعد. كالمودع وإن تنازعا في الردِّ فكذلك" ( ) .
قال ابن قدامة:"والعامل أمين في مال المضاربة؛ لأنه متصرف في مال غيره بإذنه لا يختص بنفعه فكان أمينا" ( ) .