والإنسان يدرك بخُلقه الحسن ما لا يدركه الغني الباذل للأموال من كل وجه، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ولا ينبغي إطلاقا للإنسان الذي مَنَّ الله عليه بالعلم أن يترفع على الناس بعلمه ويقول: أنا أفضل منهم، وأنا قد رُفعت درجات.
فإن الإنسان إذا أُعجب بعمله كان ذلك آية الخسران وآية الخيبة، فليحذر الإنسان -أعني: طالب العلم بالذات- ليحذر من العجب؛ فإن العجب سبب للخذلان والحرمان.
وليحذر من التكبر فإنه ليس من العقل. إذا مَنَّ الله عليك بعلم وعرفت ما في حسن الخلق من الفضل والأجر أن تذهب وتتكبر على الناس بما مَنَّ الله به عليك؛ ولهذا تجد الناس يأخذون من طالب العلم حسن الخلق أكثر مما يأخذون ممن هو فوقه في العلم، ولكنه دونه في حسن الخلق؛ وذلك لأن الإنسان ينبغي أن يكون أليفا ومألوفا، مخالطا للناس على الوجه الذي فيه الخير والصلاح.
وكذلك أيضا ينبغي لطالب العلم أن يكون حكيما في أسلوبه ودعوته بحيث ينزل كل إنسان منزلته في معاملته، اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا شك أن الجاهل لا يعامل معاملة العالم، ولا شك أن المستكبر لا يعامل معاملة من يطلب الحق ويريد الحق.
فعلى الإنسان العاقل الطالب للعلم أن ينزل كل إنسان منزلته، حتى يملك بذلك قلوب الناس وينفع الله بعلمه.
ثم ليحذر طالب العلم من الحسد والغل والحقد على المسلمين، وليعلم أن الحسد لا يمنع فضل الله تعالى على المحسود، ولا يزيد به فضل الله على الحاسد، بل إن الحسد من أسباب خذلان المرء؛ لأنه يرى كل نعمة عليه دون النعمة التي أنعم الله بها على غيره، فيحترق قلبه، فيرى أنه مظلوم، وأنه مهضوم.
لكن إذا كان يحب لإخوانه ما يحب لنفسه مَنَّ الله عليه بالهداية والفضل وسعة الصدر، وانشراح واطمئنان القلب، وبهذا يجد الإنسان الذي ليس بحسود ييسر الله عليه الأمر ولا يسلط عليه الأعداء.