أما المنهي عنه فاجتنبه كله لا تأتي منه شيء إلا ما اضطررت إليه، وما اضطررت إليه فإنه لا يعتبر تحريما، ولا محرما، دليل هذه القاعدة قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- باجتناب المنهي عنه بدون شرط ولا مما يدل على أنه لا بد أن يجتنب الإنسان كل المنهي عنه؛ لأن الاجتناب ليس فيه مشقة ولا تعنت إنما هو ترك شيء، فإذا ترك الإنسان الشيء فلا ضرر عليه.
ولهذا فإن اضطر إليه فقد قال الله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ يعني: فإنه ليس فيه تحريم وعلى هذا فيكون ما يفعل من المحرم عند الضرورة ليس في درجة الحرام بل هو حلال مباح، أما الأمر فقال الله -تبارك وتعالى-: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
فانظر إلى قوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي: خائف ألا يقبل منه، موقن بأنهم إلى الله راجعون، وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا نعم، قال: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا فدل ذلك على أن المأمورات يجب فعل ما استطاع الإنسان منها، وأن المنهيات فيجب اجتنابها كلها، وهذه من القواعد المهمة أيضا في دين الله -عز وجل-.