وليس العلم أن يحفظ الإنسان شيئا فقط، بل العلم أن يحفظ شيئا وأن يفهم ما يدل عليه هذا الشيء، ويُفرع عليه ويناقش فيه بنية وإخلاص وحُسن أداء،"فمن تفته"أي: هذه القواعد والأصول يُحرم الوصول، أي الوصول إلى المقصود. والألف في قوله:"الأصولا"وفي قوله:"الوصولا"الألف للإطلاق، أي: لإطلاق الرَّوِيّ، وهذا مستعمل كثيرا في النظم.
ثم قال الناظم:"وهاك من هذي الأصول جُملا" (هاك) بمعنى خُذ من هذه الأصول جملا أرجو بها عال الجنان نزلا، (هاك) : الخطاب لكل من يقرأ هذه المنظومة من هذه الأصول أو القواعد، (جملا) يعني: أن الناظم لم يستوعب جميع القواعد، وإنما أتى منها بجمل، (أرجو بها) أي: بهذه الأصول أو بهذه الجمل من الأصول أرجو بها"عال الجنان نزلا"وأصلها عالي الجنان لكنها خففت الياء للروي، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
"أرجو بها عال الجنان نزلا"والجنان جمع جنة، وهي في الأصل البستان الكثير الأشجار، كما في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا لكنها إذا أريد بها جزاء المؤمنين المتقين فهي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قال الله تعالى في القرآن: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال -تعالى- في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
وقوله:"أرجو بها عال الجنان نزلا"، هنا نقول: هل يمكن للإنسان أن يرجو شيئا بدون فعل الأسباب التي توصل إليه؟ الجواب: لا يمكن؛ لأن الرجاء لا بد له من سبب؛ ولهذا من رجا شيئا بدون عمل، فإنه متمن وليس بعامل.