أولا: هذا الحديث افتتح به الحافظ ابن حجر هذا الكتاب، وهو كتاب الطهارة، والطهارة يبتدأ بها؛ لأن أعظم الأركان العملية الصلاة، والصلاة مفتاحها الطهارة، والطهارة لا تكون إلا بالماء؛ لذلك جعل كتاب الطهارة، ثم باب المياه، ثم ساق هذا الحديث في صدر أحاديث الباب.
ثانيا: الحديث دلَّ على أن الماء ينقسم إلى طهور وإلى طاهر، ووجه ذلك أن الصحابة -رضوان الله عليهم- سألوا عن التطهر بماء البحر، فلم يشكل عليهم كون ماء البحر طاهرا، وإنما سألوا عن التطهر به، والنبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر أن ماء البحر طهور يعني: أنه مطهر، وهذا يعني: أن الماء ينقسم إلى ماء يتطهر به، وإلى ماء لا يتطهر به، وهذا حجة كثير من أهل العلم في قسمهم الماء إلى ثلاثة أقسام: إلى طهور وطاهر ونجس، والحديث دل على قسمين على الطاهر والطهور.
ودلَّ -أيضا- تقسيم الماء إلى طاهر وطهور عدة أشياء منها: قوله -عليه الصلاة والسلام- في التراب مما فضل الله -جل وعلا- به هذه الأمة قال:"فضلت على الأنبياء بخمس"ثم ساقه، وقال -عليه الصلاة والسلام- في آخره:"وجعلت تربتها لنا طهورا"وقال -أيضا عليه الصلاة والسلام-:"فأيما مسلم أراد أن يصلي فعنده مسجده وطهوره".
ومعلوم أن هذه الأمة فضلت على غيرها من الأمم في شأن التراب بكون التراب لها طهورا، وهو لغيرنا طاهر، فدل على أن التراب لغيرنا طاهر ولنا طهور، وكذلك ماء البحر طهور وهو طاهر في نفس الأمر، فدل هذا على انقسام الماء إلى القسمين المشهورين إلى الطهور والطاهر وإلى النجس، فصار الماء ثلاثة أقسام: طاهر وطهور ونجس، وهذا واضح من جهة الاستدلال في هذا الحديث وفي غيره.
قال آخرون من أهل العلم: إن الماء قسمان: طهور ونجس، فالله -جل وعلا- أنزل من السماء ماء طهورا، والطهور هو الماء الباقي على أصله وعلى إطلاقه، فيكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره.
قالوا: الماء إنما ينقسم إلى قسمين: إلى طاهر ونجس، وهذا هو مذهب الإمام مالك والظاهرية، وعدد من أهل الحديث، جمع من أهل الحديث، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.