ويدلنا على هذا: أن ابن أبي حاتم -رحمه الله- سأل أبا زرعة عن رجل؟ فقال أبو زرعة: حافظ، فقال ابن أبي حاتم: أصدوق هو؟ يعني: أهو عدل في دينه؟ فلم يكتف ابن أبي حاتم بقوله: ضابط؛ لأنها لا تدل على التوثيق، ولا تدل على العدالة، وإنما تدل على الحفظ.
ولهذا؛ لما سئل وكيع بن الجراح عن رجل قال:"رجل صالح -يعني في دينه- وللحديث أهل"يعني: ليس من أهل الحديث، بمعنى: أنه لا يضبط الحديث ولا يحفظه، وإن كان صالحا في دينه.
ولهذا؛ يحيى بن سعيد القطان يقول:"لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"والمراد هنا: ليس تعمد الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما المراد: الخطأ والخطأ، أو كثرة الخطأ في الحديث، يطلق عليها في لغة العرب"كذبا"كما هي لغة أهل الحجاز.
فقوله:"لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"يعني: أنه يجري الحديث على ألسنتهم -من غير- أو يجري الكذب على ألسنتهم من غير تعمد له.
كما نص على ذلك الإمام مسلم -رحمه الله- في شرحه لعبارة يحيى بن سعيد القطان هذا، وإلا لا يظن بالصالحين أنهم يكذبون، وبخاصة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.
غير أن بعض من ثبت عليه كذب من الصالحين، أو قصد الكذب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا له -يعني- محمل، أو له وجهة عندهم خطأهم فيها العلماء، وأنهم يكذبون للنبي - صلى الله عليه وسلم - في زعمهم لا عليه؛ جلبا للقلوب وترغيبا لها في الخير.
وهذا غلط؛ لأن فيما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غنية عما لم يصح عنه - صلى الله عليه وسلم -.
ولهذا؛ الحافظ أبو أيوب سليمان بن داود الشاذكوني كان من أحفظ الحفاظ، بل فضله بعض العلماء على الإمام أحمد، وعلى ابن المديني، وعلى ابن معين في حفظه.
ولكنه كان يكذب فطرح العلماء حديثه كله؛ حتى قال فيه الإمام البخاري -رحمه الله-: هو أضعف عندي من كل ضعيف لأنه كان يكذب، فهو حافظ ضابط، ولكنه ساقط العدالة لكذبه على النبي - صلى الله عليه وسلم -.