الصفحة 35 من 254

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمابعد:

فقد ثبت في الحديث الصحيح عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) )هذا الحديث الصحيح فيه شرط وفيه جزاء مترتب على هذا الشرط (( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ) )قال العلماء: (( فلم يرفث ) )أي لم يقع منه الرفث وهو ما يكون من الكلام ومن مقدمات الجماع، (( ولم يفسق ) )أي لم يقع في الصغائر ولا الكبائر، ولذلك فسر الفسوق هنا بالمعنى العام وهي المعصية الشاملة للكبيرة والصغيرة، والفسوق يطلق بمعنى ارتكاب الكبائر؛ لأن له ثلاث إطلاقات:

الإطلاق الأول: المعصية العظمى وهي الكفر بالله - عز وجل - كما في وصفه-تعالى- للكفار {فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} ، ويطلق بمعنى ارتكاب الكبيرة وهذا المعنى هو الذي يخل بالعدالة وأشار الله إلى هذا المعنى في قوله - سبحانه وتعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} فقسم المراتب إلى ثلاث: الكفر، والفسوق، والعصيان.

فجعل العصيان للصغائر، والفسوق للكبائر، والكفر هو الخروج من الملة غاية المعصية.

فهذا من إطلاق الفسوق على المعنى المتوسط الذي يراد به ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر.

ويطلق الفسق بمعنى عام وهو الخروج عن طاعة الله بالكبائر والصغائر مطلقًا؛ والسبب في ذلك أن أصل في الفسق هو الخروج ومنه قول العرب: فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت فيوصف الإنسان بإثمه ووزره وعصيانه لربه بكونه فاسقًا لكونه خارجًا عن طاعة الله-نسأل الله السلامة والعافية-.

فقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( فلم يرفث ولم يفسق ) )يعني لم يقع منه ما يقع من مقدمات النساء والإغراء بهن، وكذلك - أيضًا - لم يفسق فلم يقع في الفسوق قولًا وفعلًا وظاهرًا وباطنًا (( رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) )للعلماء وجهان:

الوجه الأول: منهم من قال: يرحع من ذنوبه بلا ذنب ولا خطيئة على ظاهر الحديث تغفر ذنوبه كلها صغيرها وكبيرها جليلها وحقيرها كأنه ولد من ساعته وهذا هو الذي دل عليه ظاهر هذا الحديث الصحيح وظاهر كلامه-عليه الصلاة والسلام-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت